وعد على ارتفاع ٣٥ الف قدم ج٢ شروق خالد
العربيات الجيب السودا كانت واقفة ومبرومة حوالين الطيارة في أرض المطار. الحراس فتحوا الأبواب، وأنا كنت ماشية ورجلي بتترعش، حاسة إن الهوا نفسه اتقطع عني. ركبت في الكنبة الورانية في عربية مراد، وهو قعد جنبي وفريدة نايمة في حضنه زي الملاك، ميعرفش إن أبوه لسه جارد حبل المشنقة حوالين رقبتي.
طول الطريق لحد قصر الألفي في طريق مصر الإسماعيلية، مفيش حد فينا نطق بكلمة. أنا كنت ببص من الشباك على أنوار الشوارع وبفكر: “أنا إيه اللي رماني الرمية دي؟ أنا كنت راجعة من بره بعد ما حاولت أهرب من وجع خسارة ولادي، أهو ربنا رماني في حجر راجل ميعرفش يعني إيه رحمة”.
العربيات دخلت من بوابات حديد عملاقة، والقصر كان حاجة تشبه قلاع الحواديت، بس بالنسبة لي كان شكله زي المعتقل. أول ما دخلنا، مراد شاور للشغالة الشغالة الكبيرة وقال لها بنبرة جافة:
“خدي الهانم ودوها الجناح البحري.. وفريدة تنام في الأوضة اللي جنبها، وأي حاجة تطلبها تتنفذ في ثانية.”
وقبل ما أتحرك، لف وشّه ليا وقال: “ارتاحي يا نور.. قدامك ليلة طويلة، والمأذون هيكون هنا الساعة تسعة الصبح.”
دخلت الأوضة، كانت واسعة وفيها كل وسائل الرفاهية، بس كنت حاسة بخنقة وغل غريب. قعدت على طرف السرير أعيط، افتكرت ولادي وجوزي، وازاي الدنيا اتقلبت بيا في كام ساعة. بس فجأة، سمعت صوت زقزقة وعياط خفيف جاي من الأوضة اللي جنبي.. فريدة صحيت وجعانة تاني.
غريزة الأمومة حركتني قبل عقلي. قمت بسرعة، دخلت الأوضة وشلتها، وقعدت على الكرسي الهزاز وأنا برضعها. البنت كانت بتبص في عيني ببراءة خلت قلبي يدوب، وحسيت إن الوجع اللي في صدري بيهدى لما بتشرب.
وأنا غرقانة في اللحظة دي، حسيت بحركة عند الباب. رفعت عيني ولقيت مراد واقف، مغير هدومه ولابس جلابية بيتي هادية، وعينيه كانت متبتة عليا. مكنش فيه الجبروت والبرود بتاع المطار، كان باين عليه راجل مكسور من جوا وخايف على حتة اللحمة الحمرا اللي في حضني.
“أنا آسف لو دخلت من غير إذن..” قالها بصوت واطي جداً عشان البنت متصحاش.
مرديتش عليه، وفضلت عيني في عين البنت.
مشى كام خطوة وقعد على كرسي قبالي، وحط إيده على راسه وقال بنبرة مكسورة أول مرة أسمعها منه:
“أنا عارف إنك شيفاني مجرم أو راجل معندوش قلب.. بس أنا بقالي شهرين بموت بالبطيء. أم فريدة ماتت وهي بتولدها، والكاترة قالوا لي البنت عندها حالة نفسية ورافضة أي لبن صناعي وجسمها كان بينشف.. أنا كنت مستعد أهد الدنيا وأدفع عمري كله بس بنتي متضيعش مني. لما شفتك في الطيارة، حسيت إن ربنا بعتلي طوق نجاة.. مكنش ينفع أسيبك تمشي يا نور، مكنش ينفع.”
بصيت له وقلت والدموع في عيني: “بس الجواز مش بالعافية يا مراد بيه.. أنت كده بتسجنّي.”
مراد بص لي نظرة طويلة، وقال وعينه بتلمع:
“مش سجن يا نور.. أنا مش هجبرك على حاجة، الجواز هيكون على الورق قدام الناس عشان محدش يتكلم عن وجودك في بيتي، وعشان تكوني الهانم اللي بتدير القصر ده وليكي كلمتك. هيديكي كل صلاحيات الأم، وكل فلوسي وضماناتي تحت رجلك.. بس أرجوكِ، متحرِميش فريدة من حضنك.. هي محتاجالك، ويمكن أنتِ كمان محتاجالها عشان تنسي وجعك.”
كلامه دخل قلبي زي السكي..نة.. كان بيتكلم بصدق راجل مستعد يوطي راسه للأرض عشان بنته تعيش. بصيت لفريدة اللي كانت نامت وخلاص سابتني، وحسيت إن البنت دي فعلًا بقت حتة مني في الكام ساعة دول.
“أنا موافقة يا مراد..” قلتها وأنا بتنهد: “موافقة عشان البنت دي ملهاش ذنب.. بس عهدي معاك، لو في يوم حسيت إنك بتتحكم فيا أو بتعاملني كجارية، هسيب القصر ده باللي فيه، وحتى لو ضربتني بالنار مش هقعد.”
مراد وقف، وباس راس بنته وهي في حضني، وبعدين بص لي وقال بابتسامة خفيفة بس واثقة:
“وعد يا نور.. مراد الألفي عمره ما يكسر كلمة قالها. من بكرة، القصر ده ملكك.. والرحلة بتاعتنا لسة بتبتدي.”