وقفت ممسكه بفرشاه الصبغه

وقفتُ ممسكةً بفرشاة الصبغة، تتجاذبني الحيرة بين زبونةٍ غنية متعالية، وأمٍّ مكسورةٍ ترتجف على أعتاب الباب، على وشك أن تنسحب بصمتٍ يليق بانكسارها.

كان الصباح شتويًا قاسيًا، والريح في الخارج تعصف كأنها تعلن حربها على كل من يجرؤ على الخروج. أما صالوني الصغير، فكان واحة دفء؛ هواءٌ معطّر برائحة جوز الهند والقهوة الطازجة، وضجيج خافت لحياةٍ تحاول أن تكون جميلة رغم كل شيء.

جلست مارغريت — زبونتي الدائمة — في أبهى مقاعدي، يحيط بها رفاهٌ اعتادت عليه، تترقب اكتمال خصلاتٍ ذهبية لا تفكر يومًا في ثمنها. كانت تقلب صفحات مجلة لامعة بمللٍ مترف، وكأن العالم خُلق ليخدم راحتها.

في تلك اللحظة، انفتح الباب.

ودخلت امرأة…

لم يكن دخولها عاديًا، بل كأن البرد نفسه تسلل معها. معطفها المهترئ بالكاد يستر ضعفها، وكتفاها منحنِيان تحت ثقل أيامٍ قاسية. لم ترفع عينيها، وكأنها تستأذن المكان أن يقبل بها.

وقفت قليلًا، ترتجف، قبل أن تهمس بصوتٍ خفيض:
— أريد… أرخص قصة شعر لديكم… فقط إصلاح الأطراف.

ابتسمت لها بلطف، لكن شيئًا في عينيها دفعني للصمت… حتى تكلمت.

— لدي مقابلة عمل اليوم… بعد ثلاث سنوات من البطالة… أريد فقط أن أبدو… إنسانة يمكن أن تُمنح فرصة.

كم يكون الألم صادقًا حين لا يُقال كاملًا.

وقبل أن أرد، جاء صوت مارغريت… قاسيًا، باردًا:
— من لا تستطيع إعالة نفسها، فلتقص شعرها في بيتها… لا هنا.

كلماتها لم تكن مجرد صوت… كانت صفعة.

تجمّدت المرأة. تلاشى الرجاء من عينيها، وانحنت كأنها تحمل خطأ وجودها. تمتمت باعتذارٍ خافت، واستدارت نحو الباب.

في تلك اللحظة… أدركت أن الصمت خيانة.

تركت فرشاة الصبغة.

وتقدّمت.

أمسكت يدها قبل أن ترحل. كانت باردة كأن الحياة هجرتها.

قلت بهدوءٍ يشبه الوعد:
— لن تغادري.

قُدتها إلى المقعد الأوسط… حيث يجلس من يستحق العناية، لا من يطلبها بثمن.

ثم التفتّ إلى مارغريت، وقلت بصوتٍ لا يعرف التراجع:
— ما يرفع قيمة المكان ليس المال… بل الرحمة. وما يهدمه ليس الفقر… بل القسوة.

دفعت إليها ورقة خدمتها، مضيفة:
— لكِ أن تنتظري… أو تبحثي عن مكانٍ يليق بتوقعاتك.

غادرت غاضبة.

أما أنا… فبقيت.

بقيت مع امرأة تستعيد نفسها.

غسلت شعرها بماءٍ دافئ، كأنني أغسل عنها تعب السنوات. قصصت خصلاتها بعناية، أضفت إليها حياة، ولمسة ضوء. قدّمت لها شايًا دافئًا، وكلماتٍ صادقة، ووقتًا لم يطلب مقابلًا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *