في قريه مهجوره
في قرية مهجورة على أطراف الصحراء، عاش شيخٌ مسنّ مع ثلاثة إخوة أيتام في بيتٍ طيني تهدمت أطرافه. لم يكن لديهم من متاع الدنيا سوى ناقة عجفاء، وبيت شعر يسترهم من القسوة، وكسرات خبز يابس.
في ليلة ذات صفير مرعب للرياح، جلس الإخوة يتسامرون أمام جذوة نار تتهاوى:
تنهد الأخ الأكبر وقال:
لو أن لي من الدنيا حظاً، لتمنيت أن أكون سائقاً لحراس والي المدينة، لأركب الخيل وأطعم اللحم كل ليلة!
ابتسم الأخ الأوسط وسخر قائلاً:
أما أنا، فمطالبي أرفع.. أتمنى أن أكون خياطاً للوالي، لألبس الديباج وأرفل في الحرير!
ثم التفتا إلى أخيهما الأصغر وكان يلتف بعباءة ممزقة ويثقب الأرض بعود خشبي:
وأنت يا أصغرنا، ما الذي تتنفسه في أحلامك؟
أطرق الصغير خجلاً ثم قال بصوت خفيض:
أتمنى أن أكون القائد الأعلى لجيوش الوالي، وأجلس عن يمينه في مجلس الحكم…
ضج البيت بضحك الأخوين حتى دمعت أعينهما:
قائد جيوش؟ أنت يا من تسرح بالناقة وتغسل أواني العشاء؟ أفق يا فتى من أوهامك!
في تلك الأثناء، كان والي الولاية يتفقد أطراف البلاد متخفياً في ثياب تجار رفقة وزيره، بعد أن أضلوا الطريق وشلّ البرد أجسادهم. أطرق الوالي باب البيت الطيني مستغيثاً.
فتحت الصغير الباب، ورأى رجلين غريبين يرتجفان. دون أن يسألهما عن هويتهما، قادهم إلى جوار النار، وخرج في البرد القارس ليذبح نادرتهم (الناقة الوحيدة) ليطعمهم، واستقبلهم بابتسامة دافئة وقدم لهم آخر ما يملكون من القوت.
لاحظ الوالي نبل الفتى وعزة نفسه رغم قسوة الفقر. وحين أراد الأخوة الأكبر طرده ليخدم الضيفين وحده دون أن يذوق الطعام لأنه قدم نصيبه للغرباء، امتثل الصغير ببالغ الأدب والتسامح.
غادر الوالي ووزيره فجراً دون أن يكشفا عن هويتهما، لكن قلبه كان مأخوذًا بنبل ذلك الفتى الأصغر.
في اليوم التالي، حطت ركاب الحرس الملكي أمام البيت، وأخذت الإخوة الثلاثة إلى مجلس الوالي. هناك، صُدم الإخوة حين وجدوا أن الضيف بالأمس لم يكن سوى الوالي نفسه.
تذكر الإخوة سخريتهم وأمنياتهم، فاستدعاهم الوالي واحداً تلو الآخر.
سأل الأكبر: ما كانت أمنيتك؟
قال وهو يتصبب عرقاً: أن أكون سائقاً للحراس.
قال الوالي: لك ما أردت، ستعمل في إسطبلات الحراس ابتداءً من اليوم.
سأل الأوسط: وأنت؟
قال بخوف: أن أكون خياطاً للوالي.
قال: عينتك خياطاً لثياب جندي القصر.
أما الصغير، فلم يسأله الوالي شيئاً، فغمز الأخوة بسخرية ظناً منهم أنه سيُطرد أو يُسجن.
لكن الوالي أمر بإلحاق الفتى الأصغر بالمدرسة العسكرية العلياء تحت رعايته الشخصية، وأوصى بمعلمي القصر أن يعلموه الفنون، والحكمة، والإدارة.
مضت الأيام، وحضر الفتى الأصغر -بعد سنوات من التدريب والاجتهاد- مجلساً كبيراً للوالي، وهو يتوشح بسيفه ومظهره مهيب، لكنه احتفظ بتواضعه وأدبه الشديد. اختبره الوالي أمام وزراء الدولة في معضلة حربية وأخلاقية معقدة، فأجاب الفتى بحكمة ونبل، قائلاً:
“إن القوة يا سيدي ليست في حد السيف، بل في العدل الذي يحميه، وإن عظمة الرجل لا تقاس بما يملك من الس\لاح، بل بما يحمل في قلبه من الرحمة تجاه الضعفاء.”
اندهش القادة والوزراء من رجاحة عقله وكرم أخلاقه، ووجد الوالي فيه الشجاعة والأمانة التي يفتقدها الكثيرون، فأصدر مرسوماً بتعيينه قائداً للجيش ومستشاراً مقرباً له.
تزوج الفتى الأصغر فيما بعد من ابنة كريم قومه، وأصبح من أعظم قادة الولاية وأكثرهم عدلاً ومحبة بين الناس، ولم ينسَ قط جذوره ولا شيخه المسن الذي رباهم، فبنى له قصراً ورعاه حتى آخر يوم في حياته.
أما الأخوان الأكبر والأوسط، فبقيا في معاطن الخيل ومشاغل الخياطة، يقتلهما الندم والحسد كلما رأيا أخاهما الأصغر يمر في موكبه المهيب، يعلوه ثوب العز الذي لم تشنه الألقاب، بل زادته الأخلاق بريقاً.