تيتا حبست
إحنا الكبار. إنت أخوها، ومن حقك تلعب وتضحك وتعيش طفولتك من غير ما تشيل هم إنك لازم تنقذ حد.
ابتسم لي، ورجع يمسك العجلة.
وبعد شوية، لوسي قامت من مكانها، ومشت ناحيتي بخطواتها الصغيرة، ورفعت إيديها عشان أشيلها.
شيلتها، وحطت راسها على كتفي.
بصيت لآدم، وبعدين لمنى اللي كانت واقفة عند باب البلكونة بتبتسم لنا.
في اللحظة دي، فهمت إن البيت اللي بنبنيه مش مجرد حيطان وسقف.
البيت الحقيقي هو المكان اللي الطفل يقدر يعيط فيه من غير ما يخاف، ويغلط من غير ما يتذل، ويحكي الحقيقة من غير ما يخشى إن محدش هيصدقه.
بعد سنة… آخر رسالة من حماتي
بعد مرور سنة كاملة على الحادثة، وصل لمنى خطاب من محامي والدتها.
كان فيه رسالة قصيرة من سعاد، بتقول فيها إنها بدأت تدرك حجم الضرر اللي سببته، وإنها عايزة تعتذر لولادها.
منى قرأت الرسالة مرتين، وبعدها حطتها على الترابيزة.
سألتها
ناوية تردي؟
قالت
مش دلوقتي.
وبعد لحظات، أضافت
يمكن في يوم أقدر أسامحها من جوايا. بس ده مش معناه إني هرجع أثق فيها، ولا إني هسمح لها تقرب من ولادي من غير ضمانات حقيقية.
وافقتها.
لأن الاعتذار، حتى لو كان صادقًا، ما بيرجعش الأمان لوحده، والثقة مش بتتبني بكلمتين.
عدّت أيام، وبعدها شهور، وما رجعناش لعلاقتنا القديمة مع حماتي.
كل واحد في العيلة بدأ يتعامل مع الحقيقة بطريقته. فيه ناس فضلت تلومنا، وفيه ناس اعترفت إنها غلطت لما حاولت تضغط علينا عشان نتنازل عن حق أطفالنا.
أما إحنا، فركزنا على حياتنا.
نقلنا الديب فريزر القديم من الجراج وتخلصنا منه بطريقة آمنة، وحولنا المكان لركن صغير لآدم عشان يصلح فيه عجلته ويلعب تحت عينينا.
ولوسي، كل ما كانت تشوفني داخل البيت، كانت تجري عليّا وتقول
بابا، شيلني!
فأشيلها، لحد ما تضحك.
وفي يوم، وأنا قاعد مع آدم في الجراج الجديد، سألني
بابا، إنت لسه زعلان من تيتا؟
فكرت شوية، وبعدين قلت له
أنا زعلان من اللي عملته، ومش هنسى الخطر اللي حطتنا فيه. لكن مش لازم أفضل طول عمري عايش في الغضب. المهم إننا اتعلمنا نحمي نفسنا، وإننا عمرنا ما هنسمح لحد يخوفنا أو يأذينا باسم الحب.
آدم هز راسه، ورجع يلعب.
وأنا فضلت باصص له، وفكرت في اليوم اللي قطع فيه بعجلته مسافة طويلة تحت الشمس، وهو طفل صغير، عشان ينقذ أخته.
كان ممكن ألوم نفسي طول العمر، وأفضل أسأل ماذا لو اتأخرت عشر دقايق؟ ماذا لو ما سمعتش الخبطات؟ ماذا لو ما صدقتش ابني للمرة التانية؟
لكنني فهمت إن الندم لوحده مش هيصلح حاجة.
اللي أقدر أعمله هو إني أكون الأب اللي كان ابني محتاجه من البداية.
ومن يومها، بقى عندنا قانون واحد في البيت مفيش عقاب يبرر الأذى، ومفيش كبير فوق المساءلة، ومفيش طفل لازم يثبت إنه يستحق الحماية.
لأن أحيانًا، أخطر شخص على أطفالك مش بيكون غريب واقف على باب البيت.
أحيانًا بيكون شخص إنت فتحت له الباب بنفسك، وسلمته أغلى حاجة عندك، لمجرد إنك كنت فاكر إن صلة الدم معناها الأمان.
وأنا اتعلمت الدرس ده بالطريقة الأصعب.
ابني قطع عشرة كيلو بالعجلة عشان ينقذ أخته… وأنا من يومها عمري ما بقيت أسمع شكوى من طفل وأقول له إنت بتبالغ.