تيتا حبست
لي وسألني
إنت مصدقني دلوقتي؟
مسكت وشه بين إيديا.
مصدقك يا حبيبي. ومش بس مصدقك، أنا فخور بيك. إنت كنت شجاع جدًا، وإنك طلبت المساعدة كان التصرف الصح. ولو أي حد خوّفك أو عمل لك حاجة تضايقك، تقدر تحكيلي من غير ما تخاف من العقاب.
لأول مرة من يوم الحادثة، آدم من نفسه.
وفي اللحظة دي، فهمت إن إنقاذ لوسي من الديب فريزر كان مجرد بداية.
كان لازم كمان ننقذ ثقة أولادنا فينا، ونرجّع لهم إحساسهم بالأمان.
المواجهة الأخيرة… حماتي حاولت تقلب الترابيزة علينا
بعد أسبوع تقريبًا، جالي اتصال من محامي حماتي.
كان عايز يقابلنا عشان نحل الموضوع عائليًا، على حد تعبيره.
رفضت في الأول، لكن المحامي قال إن سعاد عايزة تشوف بنتها، وإنها مستعدة تعتذر.
منى كانت مترددة. مهما حصل، دي أمها، وكانت بتتمنى تسمع منها أي اعتراف حقيقي بالخطأ.
لكنني قلت لها
لو هتعتذر بجد، تعتذر قدام الجهات المختصة، وتتحمل مسؤولية اللي عملته. إنما مش هنرجّعها البيت، ومش هنعرّض عيالنا للخطر تاني عشان نحافظ على شكل العيلة قدام الناس.
وبالفعل، وافقنا على مقابلة رسمية بحضور المحامي، بعيدًا عن الأطفال، ومن غير أي اتفاق يلزمنا بالتنازل عن حقوقهم.
دخلت حماتي القاعة وهي لابسة هدومها المعتادة، ووشها هادي بشكل مستفز.
أول ما شافت منى، قالت
إنتي هتفضلي تعاقبيني لحد إمتى؟ أنا أمك في الآخر!
منى بصت لها بذهول.
تعاقبك؟! إنتي حبستي بنتي في ديب فريزر! بنت عندها سنتين يا ماما!
سعاد رفعت صوتها
أنا كنت بعاقبها! والديب فريزر كان مفصول! ما كنتش أعرف إنها هتتعب بالشكل ده!
قلت لها
حتى لو كان مفصول، إنتي حطيتي طفلة صغيرة في مكان مقفول، وقفلتِ عليها بقفل، ومشيتي من البيت. وده مش عقاب. ده تعريض لحياتها للخطر.
ردت بعصبية
إنتوا اللي دلعتوا العيال! أنا ربيت منى من غير كل الدلع ده، وأهي كبرت وبقت ممرضة!
منى كانت بتبص لها كأنها بتشوفها لأول مرة.
إنتي فاكرة إن عشان ربيتيني، من حقك تعملي اللي إنتي عايزاه في ولادي؟!
سعاد سكتت لحظة، وبعدين غيرت نبرة صوتها.
أنا غلطت، خلاص. بس أنا جدتهم، ومش ممكن تحرموني منهم للأبد.
قلت لها بهدوء
علاقتك بيهم مش حق مكتسب، خصوصًا بعد اللي حصل. وأي تواصل معاهم هيكون وفقًا للي يقرره القانون، وبعد ما يبقى فيه ضمان حقيقي إنهم في أمان.
في اللحظة دي، المحامي طلب منها تهدى.
لكن حماتي فجأة بصت لمنى وقالت
طيب، عايزة تعرفي الحقيقة؟ أنا عملت كده عشان أحمد هو اللي كان لازم يتربى!
اتجمدنا كلنا.
منى سألتها
تقصدي إيه؟
سعاد اتكلمت بسرعة، كأنها أخيرًا قررت تطلع اللي جواها.
من ساعة ما اتجوزتي أحمد، وإنتي بقيتي بتسمعي كلامه أكتر ما بتسمعي كلامي. ولما خلفتي، بقيتي تقولي لي ما تدخليش في تربيتهم. كنت عايزة أثبت إنكم مش هتعرفوا تسيطروا على العيال من غيري، وإن طريقتي هي الصح.
بصيت لها بصدمة.
يعني هي ما كانتش بتبرر لنفسها القسوة على إنها تربية بس.
كانت بتستخدم الأطفال عشان تفرض سيطرتها علينا، وتعاقب بنتها لأنها ما بقتش بتسمع كلامها في كل حاجة.
منى دموعها نزلت، لكنها المرة دي ما انهارتش.
قالت
أنا كنت فاكرة إنك بتحبي ولادي. ما تخيلتش إنك ممكن تستخدميهم عشان تعاقبيني أنا.
سعاد حاولت تمسك إيدها، لكن منى رجعت لورا.
أنا بحبك يا ماما، بس مش هسمح لك تأذي ولادي تاني.
وبعدها قامت ومشيت.
وأنا مشيت وراها.
ما كانش فيه انتصار، ولا إحساس بالراحة.
كان فيه حزن كبير على عيلة كان ممكن تفضل متماسكة لو إن حماتي اختارت الحب بدل السيطرة.
لكننا ما كناش هنسمح للحزن ده يخلينا ننسى اللي حصل.
المحكمة… واللحظة اللي ما كنتش متوقعها
القضية أخدت شهور، وخلال الفترة دي، حماتي حاولت أكتر من مرة تتواصل مع منى، مرة عن طريق قرايبنا، ومرة عن طريق رسائل بتقول فيها إنها مريضة وإننا السبب في تدمير حياتها.
بعض أفراد العيلة وقفوا معاها، وقالوا إننا كبرنا الموضوع، وإن المفروض نسامحها عشان دي جدة الأطفال.
لكننا كنا بنرد بنفس الجملة
المسامحة حاجة، وتعريض الأطفال للخطر حاجة تانية.
الأدلة اللي اتجمعت شملت أقوال آدم، وشهادة الجيران عن اللي حصل يوم الحادثة، والتسجيلات والرسائل اللي اتفحصت رسميًا، والتقارير الطبية الخاصة بلوسي.
وأثناء التحقيقات، اتراجع كمان أي ادعاء آخر قدمته نادية، واتميزت الوقائع اللي تقدر تشهد عليها بنفسها عن الحكايات اللي سمعتها من غيرها.
ما كانش هدفنا ننتقم، ولا نضيف اتهامات مش متأكدين منها.
كنا عايزين الحقيقة تظهر، والجهات المختصة هي اللي تحدد المسؤولية القانونية.
وفي يوم جلسة النطق بالحكم، دخلت القاعة وأنا ماسك إيد منى.
كانت سعاد قاعدة في الناحية التانية، وشكلها أكبر بسنين عن آخر مرة شفتها فيها.
لما عينيها قابلت عيني، حاولت تكلمني من بعيد، لكنني حولت نظري.
ما كنتش عايز أسمع تبريرات جديدة.
بعد استعراض الأدلة وسماع أقوال الأطراف، أصدرت المحكمة حكمها بإدانتها عن الواقعة، وفرضت عليها العقوبة المقررة قانونًا، مع ما ترتب على ذلك من إجراءات أخرى تخص القضية.
ما حسيتش بالفرحة اللي كنت متخيل إني هحس بيها.
كل اللي حسيت بيه إن بنتي كانت ممكن ما ترجعش البيت أبدًا، وإن العدالة، مهما كانت مهمة، مش هتمسح اللي حصل من ذاكرتنا.
بعد الجلسة، منى وقفت بعيد عن الناس وفضلت تبص ناحية باب المحكمة.
سألتها
إنتي كويسة؟
ردت بعد صمت طويل
مش عارفة. دي أمي، بس في نفس الوقت أنا مش قادرة أبص لها من غير ما أفتكر لوسي وهي جوّه الديب فريزر.
وقلت
مش مطلوب منك تنسي اللي حصل. ومش مطلوب منك كمان تقرري دلوقتي هتحسي بإيه ناحيتها. خدي وقتك.
هزت راسها.
وبعدها مشينا، وإحنا عارفين إن أصعب جزء في الحكاية مش هو الحكم.
أصعب جزء كان إننا نرجع نبني حياة طبيعية لأولادنا بعد كل الرعب ده.
بعد ست شهور… ابني عمل حاجة خلتني أعيط
عدّت ست شهور.
لوسي رجعت تلعب وتضحك، وبقت تنادي عليّا كل ما أدخل البيت
بابااا!
وكنت كل مرة بشيلها وألف بيها، حتى لو كنت راجع من الشغل مهدود ومش قادر أقف على رجلي.
أما آدم، فبدأ يرجع لطبيعته واحدة واحدة. بقى يركب عجلته تاني، لكن المرة دي كنت بخليه يخرج في أماكن آمنة، وكنت دايمًا بتأكد إنه عارف يطلب المساعدة لو احتاجها.
ما بقيناش بنقول له إنت كبير، استحمل.
بقينا بنقوله إنت من حقك تخاف، ومن حقك تتكلم، وإحنا هنسمعك.
وفي يوم جمعة، كنا قاعدين في البلكونة، وأنا بساعد آدم يصلح سلسلة عجلته، ولوسي قاعدة جنبنا بتلعب بعروستها.
فجأة، آدم بص لي وقال
بابا، أنا عايز أقولك حاجة.
سيبت العجلة وبصيت له.
قول يا حبيبي.
قال
أنا كنت خايف إنك ما تصدقنيش يومها. ولما وصلت لك في الشغل، كنت فاكر إنك هتزعق لي عشان سبت البيت وجيت لوحدي.
حسيت بغصة في حلقي.
وأنا آسف إنك حسيت بكده يا آدم.
كمل كلامه
بس لما لقيتك جريت معايا على البيت، عرفت إنك مصدقني. ولما كسرت القفل، كنت عارف إنك هتنقذ لوسي.
ما قدرتش أتماسك.
ودموعي نزلت على كتفه.
قلت له
إنت أنقذت أختك يا آدم. شجاعتك هي اللي خلتنا نوصل لها في الوقت المناسب. بس اسمعني كويس، إنت مش مسؤول عن حماية أختك لوحدك. دي مسؤوليتنا