تيتا حبست
شفت موبايل حماتي واقع على الكنبة في الصالة. واضح إنها خرجت مستعجلة، وسابته وراها.
قلت لمنى
موبايل أمك لسه في البيت. لازم نحتفظ بيه ونسلمه للشرطة لو فيه حاجة تثبت اللي حصل.
منى هزت راسها، واتصلت بعم رجب، وطلبت منه يتأكد إن البيت مقفول لحد ما نرجع، من غير ما يلمس حاجة.
بعد شوية، رجعنا البيت برفقة الشرطة، بعد ما بلغنا عن الواقعة.
واحد من الضباط طلب مننا نحكي اللي حصل بالتفصيل، وسأل عن وجود أي تسجيلات أو شهود.
حكيت له عن كلام آدم، وعن القفل، وعن المكالمة اللي حماتي اعترفت فيها إنها حطت لوسي جوّه الديب فريزر.
منى سلمت الموبايل للضابط، وشرحت له إنه ملك أمها وإنها سابته في البيت.
وبعد اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، اتفحصت محتوياته بمعرفة الجهات المختصة.
في البداية، ما كانش فيه حاجة غير صور عادية ورسائل مع صاحباتها.
لكن بعد شوية، الضابط لقى مجموعة رسائل صوتية في محادثة مع واحدة اسمها نادية.
فتح أول رسالة.
طلع صوت حماتي واضح جدًا
أنا قلتلك يا نادية، العيال لازم يتربوا من صغرهم على الخوف من العقاب. آدم بدأ يفهم ويشتكي، لكن البنت الصغيرة لسه مش فاهمة حاجة.
الضابط بص لي، وبعدين كمل تشغيل التسجيل.
جاء صوت صاحبتها
طب وإنتي متأكدة إن بنتك مش هتعرف؟ دي ممكن تعمل مشكلة كبيرة لو اكتشفت اللي بتعمليه.
حماتي ردت بثقة
منى بتشتغل طول الليل، وبترجع مهدودة وبتنام. وأحمد بيصدق أي كلام أقوله له. أنا اللي ماسكة البيت، ومحدش هياخد باله.
حسيت إن معدتي اتقلبت.
لكن الرسالة اللي بعدها كانت أسوأ.
صاحبتها سألتها
طيب، وإيه لازمة الحبس ده كله؟ ما هو الطفل لو عيط، سيبيه يعيط وخلاص.
ردت حماتي
أنا مش بسيبهم يعيطوا وخلاص. أنا بعاقبهم لحد ما يتعلموا إن مفيش حد هييجي ينقذهم كل مرة. آدم بدأت معاه بالطريقة دي، لكن لما كبر وبقى يحكي لأبوه، بقيت أهدده إنه لو اتكلم هخلي أبوه يزعق له.
منى غطت وشها بإيديها.
آدم ما كانش بيبالغ.
بنتي ما كانتش أول طفل يتعرض لأسلوبها المرعب.
والأبشع من كده إن حماتي كانت عارفة إن ابنها بيشتكي، وكانت بتتعمد تخوفه عشان يسكت.
الضابط كمل فحص المحادثة، ولقى رسالة أحدث، اتبعتت قبل خروج حماتي بوقت قصير.
كانت بتقول فيها
النهارده هخلّي الصغيرة تتعلم درس عمرها. هحطها في الديب فريزر شوية، وأسيب الأغاني شغالة، ومحدش هيعرف حاجة. لما ترجع منى، هقول لها إنها نامت.
ما قدرتش أسمع أكتر من كده.
قمت من مكاني، وخرجت للبلكونة عشان أقدر أتنفس.
كنت عايز أصرخ، أكسر أي حاجة قدامي، أروح أواجه حماتي وأخليها تحس بجزء من الرعب اللي عيالنا عاشوه.
لكن منى لحقتني، ومسكِت إيدي.
قالت بصوت مكسور
أحمد، أنا مش عارفة أقولك إيه. دي أمي، وأنا طول عمري كنت فاكرة إنها شديدة بس، وإنها بتعمل كل ده عشان مصلحتنا. ما كنتش أعرف إنها بالشكل ده.
بصيت لها وقلت
إحنا مش مسؤولين عن اختيارها إنها تأذي ولادنا. لكن مسؤوليتنا من النهارده إننا نصدقهم ونحميهم.
هزت راسها، وفضلت تعيط.
وفي اللحظة دي، قررنا إننا مش هنسمح لحماتي تقترب من ولادنا تاني، وإن كل حاجة هتتحط قدام القانون.
لكن اللي حصل بعدها بأيام كان أكبر من مجرد قضية اعتداء.
لأن نادية، صاحبتها اللي كانت بتتكلم معاها في التسجيلات، ظهرت فجأة.
وكان معاها حكاية تانية خالص.
صاحبتها ظهرت… وكشفت سر قديم
بعد يومين، كنت قاعد في البيت مع منى، بينما آدم كان عند خالته، ولوسي لسه تحت المتابعة الطبية.
جرس الباب رن.
فتحت، ولقيت ست في أواخر الخمسينات واقفة قدامي، شكلها متوتر، وإيديها بتترعش.
حضرتك الأستاذ أحمد؟
أيوه، اتفضلي. مين حضرتك؟
قالت
أنا نادية، صاحبة الحاجة سعاد. لازم أتكلم معاكم في موضوع مهم جدًا.
أول ما سمعت اسمها، افتكرت التسجيلات.
كنت على وشك أقول لها إن الكلام كله اتسلم للشرطة، وإن مفيش داعي لأي تبريرات، لكنها قالت جملة وقفتني مكاني
أنا جاية عشان أقول لكم إن اللي حصل لبنتكم مش أول مرة سعاد تعمل حاجة زي دي. وأنا كنت جبانة وسكت.
دخلتها الصالة، ومنى خرجت من الأوضة أول ما سمعت صوتها.
نادية قعدت، وفضلت باصة للأرض قبل ما تبدأ كلامها.
حكت لنا إن حماتي، من سنين، كانت بتستخدم أساليب قاسية جدًا مع الأطفال اللي كانت بتعتني بيهم في البيت بعد ما خرجت على المعاش.
ما كانتش كل القصص مؤكدة، وبعضها كان مجرد حكايات سمعتها نادية من أشخاص تانيين. لكنها قالت إنها بنفسها شافت سعاد أكتر من مرة وهي بتقفل على الأطفال في أوضة ضيقة وتمنعهم من الخروج لحد ما يبطلوا عياط.
ولما كانت نادية تعترض، سعاد كانت ترد عليها
إنتي مش فاهمة في التربية. العيال لو ما خافوش من الكبير، هيدوسوا عليه.
نادية قالت إنها قطعت علاقتها بيها لفترة، لكنها رجعت تتواصل معاها بعد وفاة زوجها، لما سعاد بدأت تشتكي من الوحدة.
وبعدين أخرجت من شنطتها ورقة قديمة.
كانت صورة لرسالة مكتوبة بخط إيد حماتي، باعتاها لنادية من سنين، بتتكلم فيها عن طفل كانت بتساعد في رعايته.
الرسالة ما كانتش دليلًا قاطعًا على جريمة، لكنها أكدت إن أفكارها عن العقاب والعزل ما ظهرتش فجأة يوم حادثة لوسي.
منى كانت بتسمع وهي حاطة إيديها على صدرها.
يعني أمي كانت بتعمل كده من زمان؟ وأنا عمري ما عرفت؟!
نادية نزلت عينيها.
أنا آسفة يا منى. كنت بخاف أتكلم، وكنت بقول لنفسي إنها مجرد ست عصبية. لكن لما عرفت اللي حصل للوسي، ما قدرتش أسكت أكتر من كده.
بصيت لها وقلت
لو عندك أي معلومات حقيقية عن أطفال اتعرضوا للأذى، لازم تقوليها للشرطة، مش لينا بس.
هزت راسها بالموافقة.
وقبل ما تمشي، قالت لنا حاجة خلتني أفكر في آدم.
سعاد كانت دايمًا بتقول إن الطفل اللي بيشتكي لأبوه لازم يتعلم إن الكلام له تمن. أنا سمعتها بنفسها بتقول لآدم مرة إنه لو حكى لك عن اللي بيحصل، هتقول لك إنه كداب وإنه بيغير من أخته.
فهمت وقتها ليه ابني كان خايف بالشكل ده.
حماتي ما كانتش بتعاقب الأطفال بس.
كانت بتحاول تخلّيهم يشكوا في نفسهم، ويخافوا يحكوا، ويحسوا إن محدش هيصدقهم.
وده كان أخطر جزء في كل اللي حصل.
رجوع لوسي… لكن البيت ما بقاش زي الأول
بعد أيام طويلة من القلق والفحوصات، استقرت حالة لوسي، وسمح لنا الدكتور نرجع بيها البيت، مع ضرورة متابعتها طبيًا والالتزام بأي تعليمات تخص التعافي.
أول ما دخلت البيت، كانت متعلقة في رقبتي، وكل ما أحطها على الأرض، تمسك في هدومي وتعيط.
ما ضغطناش عليها، وما حاولناش نخليها تتصرف كأن مفيش حاجة حصلت.
خليناها تنام في أوضتنا، ومنى فضلت جنبها أغلب الوقت.
أما آدم، فكان بيتجنب الجراج تمامًا.
حتى لما كان محتاج يجيب العجلة، كان يطلب مني أجيبها له.
في ليلة، لقيته قاعد على طرف السرير، ماسك لعبته المفضلة، وباصص للأرض.
قعدت جنبه.
مالك يا حبيبي؟
قال بصوت واطي
بابا، هو أنا لو ما جيتش لك بالعجلة، لوسي كانت هتموت؟
اتوجع قلبي.
وقلت
يا آدم، إنت عملت كل اللي تقدر عليه، وأكتر كمان. إنت طفل عنده سبع سنين، ومش المفروض أبدًا تتحط في موقف زي ده. أنا أبوك، وكان المفروض أنا اللي أحميك وأحمي أختك.
بص