تيتا حبست

لمحة نيوز

راسي بسرعة، وخبطت على الغطا بإيدي.
لوسي! يا حبيبتي، أنا هنا! استحملي يا روحي، بابا هيطلعك!
لكن المرة دي، ما جاليش أي رد.
الصمت اللي جه بعدها كان أبشع من أي صرخة سمعتها في حياتي.
وفي اللحظة دي، أدركت إن الموضوع ما بقاش مجرد عقاب قاسي من جدة فقدت أعصابها.
كان فيه احتمال إني أخسر بنتي في أي لحظة…
وإن الشخص اللي كان المفروض يحميها، هو نفسه اللي حطّها في الخطر ده.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها، إن اللي هكتشفه بعد ما أفتح الديب فريزر، وبعد ما أوصل لتليفون حماتي، هيخليني أشك إن اللي حصل للوسي ما كانش أول مرة…
وإن حماتي كانت مخبية سر أخطر بكتير من مجرد أسلوب تربية مريض.
الجزء التاني اللي كان جوّه الديب فريزر ما كانش أخطر سر في البيت!
ما استنيتش ثانية واحدة.
جريت ناحية باب الجراج، وصرخت بأعلى صوتي
يا ناس! حد يلحقني! بنتي جوّه الديب فريزر!
جاري عم رجب سمع صوتي، وخرج من بيته يجري، وراه ابنه الشاب. أول ما شافوا حالتي، ما سألوش أي سؤال. عم رجب جري جاب شاكوش كبير وعتلة حديد، وابنه حاول يثبت الديب فريزر عشان نقدر نكسر القفل.
كنت بخبط على الغطا، وبصرخ باسم بنتي.
لوسي! يا حبيبتي، لو سامعاني خَبّطي تاني!
مافيش رد.
ضربت القفل بالعتلة مرة، واتنين، وتلاتة. إيدي اتجرحت، بس ما حسيتش بالألم. كل اللي كان في دماغي إن كل ثانية بتعدي ممكن تكون آخر ثانية في عمر بنتي.
لحد ما القفل اتكسر أخيرًا.
رفعت الغطا بعنف.
ولقيتها.
لوسي كانت ممددة جوّه، جسمها ساكن، ووشها شاحب، وشعرها ملزوق في جبينها. كانت لابسة فستانها الأصفر الصغير، وإيديها مقبوضة على عروستها القماش.
صرخت من قلبي
لوسي! يا بنتي! ردي عليّا!
شيلتها بسرعة، وخرجت بيها من الجراج. كنت حاسس إن جسمها أخف من الطبيعي، وإن الدنيا كلها بتلف بيا.
آدم كان واقف عند الباب، بيعيط وبيصرخ
أختي يا بابا! أختي ماتت؟!
صرخت فيه وأنا بحاول أتماسك
لأ يا حبيبي! أختك هتبقى كويسة! هتبقى كويسة!
لكن الحقيقة إني ما كنتش عارف بنتي لسه عايشة ولا لأ.
عم رجب اتصل بالإسعاف، وأنا فضلت جنبها لحد ما وصلت. المسعف طلب مني أحطها على الأرض في مكان آمن، وبدأ يفحصها ويتعامل مع حالتها، وأنا واقف فوق دماغه، عاجز حتى عن إني ألمس إيدها.
بعد لحظات بدت لي أطول من عمري كله، قال
البنت لسه فيها نبض. لازم تتحرك المستشفى فورًا.
الكلمة دي رجّعت الروح لصدري، ولو للحظات.
ركبت معاها الإسعاف، وطلبت من عم رجب ياخد آدم عنده لحد ما أرجع. قبل ما أمشي، ابني جري عليّا ومسك إيدي.
بابا، ما تسيبنيش لوحدي زي ما سبت لوسي مع تيتا.
الكلام ده وجعني أكتر من أي حاجة حصلت في اليوم كله.
أنا آسف يا آدم. والله آسف. أنا غلطت لما ما صدقتكش. ومش هسمح لحد يأذيكم تاني، حتى لو كان أقرب الناس لينا.
وبعدها طلعت مع بنتي على المستشفى.
في المستشفى… كلمة واحدة قلبت كل حاجة
أول ما وصلنا، الطاقم الطبي استلم لوسي، ودخلوا بيها غرفة الطوارئ.
قعدت بره، وإيدي لسه عليها آثار التراب والدم، وهدومي مبلولة بالعرق. كنت ببص على باب الغرفة، وكل شوية أقوم وأسأل أي ممرض أو دكتور يعدي.
بعد حوالي نص ساعة، خرجت دكتورة شابة.
حضرتك والد الطفلة؟
أيوه، أنا أبوها. بنتي عاملة إيه؟ بالله عليكي طمنيني!
بصت لي بجدية وقالت
بنتك محتاجة متابعة دقيقة، وحالتها كانت خطيرة. كويس جدًا إنكم وصلتم بيها بسرعة. هنفضل نراقب التنفس ودرجة حرارتها ومستوى الأكسجين، ومش هنقدر نحكم على كل حاجة قبل ما تستقر حالتها.
حسيت إن رجلي مش شايلاّني.
سألتها وأنا بحاول أمنع دموعي
هي هتعيش يا دكتورة؟
ردت بهدوء
إحنا بنعمل كل اللي نقدر عليه، وأهم حاجة دلوقتي إنها تحت الملاحظة المستمرة.
قعدت على الكرسي، وحطيت راسي بين إيديا.
كنت طول عمري فاكر إن الخطر بييجي من الشارع، من الحوادث، من الناس الغريبة.
ما تخيلتش في يوم إن بنتي ممكن تكون في خطر جوّه بيتها، تحت عين واحدة من المفروض إنهم يحبّوها أكتر من نفسهم.
بعد شوية، وصلت مراتي منى.
كانت لسه لابسة هدوم الشغل، وشكلها مرهق، لكن أول ما شافتني، جريت عليّا.
أحمد! لوسي فين؟! آدم اتصل بيا وبيقول إن فيه مصيبة حصلت! إيه اللي حصل لبنتي؟!
ما قدرتش أرد في الأول.
بصيت في عينيها وقلت
أمك حبست لوسي جوّه الديب فريزر وقفلت عليها بقفل، وخرجت تتغدى مع صاحباتها.
منى رجعت خطوة لورا، كأن حد ضربها على وشها.
إنت بتقول إيه؟! أمي تعمل كده ليه؟! دي كانت بتقول إنها هتخلي العيال يناموا وأنا في الشغل!
ابننا هو اللي جه جري على الشغل بالعجلة عشان ينقذ أخته. قطع حوالي عشرة كيلو تحت الشمس، وكان ممكن يحصل له حاجة هو كمان!
منى حطت إيدها على بقها، وانهارت في العياط.
يا نهار أسود… أنا إزاي سبتهم معاها؟!
مسكت إيديها وقلت
إحنا الاتنين غلطنا لما وثقنا فيها من غير ما نتابع. بس دلوقتي أهم حاجة إن لوسي تقوم بالسلامة، وبعدها هنحاسب كل واحد على اللي عمله.
فجأة، تليفون منى رن.
كانت أمها.
منى بصت للشاشة، وفضلت ساكتة.
قلت لها
ردي. بس ما تدخليش معاها في خناق دلوقتي.
فتحت المكالمة وحطت التليفون على السماعة الخارجية.
صوت حماتي جه هادي جدًا
أيوه يا منى، إنتي فين؟ أنا خلصت الغدا وراجعة البيت. هو أحمد أخد العيال وراح فين؟ البيت مقفول وأنا مش عارفة أدخل.
منى كانت بتترعش.
إنتي عملتي إيه في لوسي يا ماما؟!
سكتت حماتي لحظة، وبعدين ردت ببرود
عملت إيه يعني؟ البنت كانت بتعيط ومش عايزة تسمع الكلام، فحطيتها في مكان تهدى فيه شوية. هو أنتم هتفضلوا طول عمركم مدلّعين العيال بالشكل ده؟!
صرخت منى
إنتي حطيتي طفلة عندها سنتين جوّه ديب فريزر وقفلتِ عليها بقفل!
حماتي اتنهدت بضيق، وكأننا بنتكلم عن طبق اتكسر.
يا بنتي، الديب فريزر مفصول من الكهرباء، وأنا ما كنتش هسيبها تموت! كنت هفتح لها بعد شوية.
ما قدرتش أستحمل.
خدت التليفون من منى وقلت
بعد شوية؟! وإنتي خرجتي تتغدي! طب لو ما كناش وصلنا في الوقت المناسب، كنتي هترجعي تفتحي لها بعد ما تموت؟!
ردت بعصبية
إنت ما تعليش صوتك عليّا! دي بنت بنتي، وأنا أدرى بمصلحتها منك!
قلت لها
من اللحظة دي، إنتي ممنوعة تقربي من ولادي. والشرطة هتعرف كل اللي حصل.
ضحكت ضحكة قصيرة مستفزة.
شرطة إيه يا أستاذ أحمد؟! هتعمل إيه يعني؟ هتقول لهم إن جدة حاولت تربي حفيدتها؟! مين هيصدق الكلام ده؟
وبعدين قفلت المكالمة.
منى فضلت باصة لي، ووشها متغير تمامًا.
لأنها، زيي، كانت لسه فاكرة إن الموضوع مجرد قسوة وتهور.
لكننا ما كناش نعرف إن حماتي سابت لنا دليل بإيديها.
تليفون حماتي… الرسالة اللي كشفت الحقيقة
بعد حوالي ساعتين، الدكتور سمح لنا نشوف لوسي لدقايق تحت إشراف الطاقم الطبي.
كانت نايمة، وفي إيدها جهاز صغير لمتابعة الأكسجين. قربت منها وبوست صوابعها الصغيرة، وقلت
حقك عليّا يا بنتي. أنا آسف إني ما كنتش جنبك.
منى كانت واقفة الناحية التانية، وبتعيط في صمت.
وفي اللحظة دي، افتكرت حاجة.
قبل ما أمشي من البيت، كنت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *