سقوط الوهم نورهان العشري
قاعدة إيڤلين عبد الرحمن ورا مكتب الإدارة الكبير، لابسة بدلتها الكحلي الأنيقة اللي بقت رمز لقوتها وثباتها، وملامح وشها مرسوم عليها هدوء وراحة ما حسيتش بيه من سنين. في ركن الهادي من المكتب، كان سليم وعمر قاعدين على ترابيزة صغيرة بيرسموا، وبيضحكوا بصوت خفيف، وهما شايفين مامتهم بتدير الإمبراطورية دي بكل ثقة واحترافية، ومن غير ما تحسسهم أبدًا بأي توتر.
في اللحظة دي، باب المكتب اتفتح ببطء. دخل أدهم. كان شكله متغير تمامًا؛ ملامحه بهتانة، وشعره فيه خصلات بيضاء جديدة، وطريقة مشيته كانت مكسورة، كأن السنين الـ 12 اللي فاتوا اتقلبوا فوق راسه في لحظة واحدة.
المحامين تلاتتهم طاروا، والست اللي كانت جتباه اختفت أول ما الفلوس راحت، وما بقاش قدامه غير الحقيقة المرة. وقف أدهم قدام المكتب، بلع ريقه بصعوبة، ورفع عينه بحرج وقال بصوت خافت مكسور:«إيڤلين… أنا… أنا بس كنت جاي أتكلم معاكي في التسوية النهائية للشركة، والمحامي قال إنك رافضة تقفلي النشاط تمامًا.
»إيڤلين رفعت عينيها وبصت له بهدوء تام، من غير أي شظايا غضب ولا حتى عتاب قديم. سابت القلم من إيدها، اتعدلت في قعدتها، وقالت بصوت هادئ وثابت:«أنا عمري ما فكرت أقفل الشركة يا أدهم، ولا أقطع عيش حد فيها.
الشركة دي اتعملت بعرق ودراسة وتعب سنين، ومش هسمح إن طيشك وغرورك يضيعوا تعبنا كلنا، ولا تعب الموظفين اللي بيشتغلوا هنا بأمانة.»أدهم نزل راسه في الأرض، وقال بندم حقيقي واشتاق لحياة مكنش حاسس بقيمتها:«أنا خسرت كل حاجة يا إيفلين… خسرت اسمي، وفلوسي، والبيت، وأهم من ده كله… خسرت نفسي، وخسرتكم.
»إيڤلين وقفت ببطء، وراحت وقفت قدام الشباك الكبير اللي بيطل على الشغل بره، وقالت وهي بتبص للقدام:«الخسارة الحقيقية يا أدهم، مش فلوس بتضيع أو شركة بتروح من إيدك… الخسارة الحقيقية هي إن بني آدم يقضي عمره كله وهو جاهل بقيمة اللي حواليه، وفاكر إن السند الحقيقي هو الشكل والمظهر، مش الروح والقلب والعقل.
»التفتت له وكملت بنبرة قوية لكن فيها إنسانية:«أنا ما انتقمتش منك يا أدهم… أنا بس رجعت الأمور لمكانها الصح. ولادنا هیشوفوا أبوهم إنسان بيتعلم من غلطه، وهیشوفوا أمهم ست مشكسة وقوية، مش مجرد اسم في شهادة جواز.
»أدهم بص لها وفي عيونه لمعة دموع أخيرة، وخرج من المكتب بهدوء، وهو حاسس إن الحكاية خلصت، وإن الستر اللي كان عايش فيه سنين طوال انكشف أخيرًا عشان يظهر النور الحقيقي. إيڤلين رجعت لمכתبها، خدت نفس عميق، وبصت لولادها اللي نادوا عليها بصوت واحد:«ماما… تعالي شوفى رسمنا العربية الجديدة للشركة!