صاحبه الاتيليه حكايات بسمه
وبدأت الشغل فورًا.
قضت يومين كاملين بين فكّ الخياطة، وتعديل القَصّة، وتقوية الأجزاء الضعيفة، وتركيب البطانة من جديد.
وفي نص الليل، عم رجب لقاها لسه قاعدة قدام الماكينة، فحط جنبها فنجان قهوة وسندوتش، وقال من غير ما يبصلها
كلي الأول الفستان مش هيهرب.
ابتسمت شيماء لأول مرة من أيام، ورجعت تكمل شغلها.
ولما إيتان رجعت تستلم الفستان، وقفت قدام المراية وهي مش مصدقة نفسها.
قعدت، وقامت، ورفعت إيديها، ولفّت حوالين نفسها والفستان ثابت في مكانه، ولا غرزة واحدة اتحركت!
وفجأة، عينيها دمعت، واڼهارت في العياط.
شيماء افتكرت إنها زعلانة، فقربت منها بقلق، لكن إيتان مسكت إيديها وقالت
أنا مش مصدقة إن حد أخيرًا سمعني بدل ما يلومني!
شيماء ابتسمت وهي بتهديها، وفي اللحظة دي، إيتان لمحت حاجة صغيرة جدًا جوه بطانة الفستان.
عقدة بخيط أزرق.
سألتها باستغراب
إيه العلامة دي؟
شيماء ردت بابتسامة هادية
دي إمضتي.
إيتان ما نسيتش الكلمة دي.
وبعد فرحها، بدأت تحكي لكل صاحباتها عن شيماء، وعن البنت اللي أنقذت فستانها وخلّتها تحس إنها جميلة بدل ما تحس إنها هي السبب في كل حاجة.
وبدأت الزباين ييجوا واحد ورا التاني، وشيماء أخيرًا قدرت تدفع الإيجار من شغلها، وتشتري خامات جديدة من غير ما تمد إيدها لمدخراتها.
لكن الخبر وصل لأدريانا.
ولما عرفت إن شيماء هي اللي صلّحت الفستان، ابتسمت قدام الزبونة اللي حكتلها، لكنها أول ما دخلت مكتبها وقفلت الباب، مسكت التليفون واتصلت بتاجر الأقمشة اللي بتتعامل معاه من عشرين سنة، الحاج حسين رضوان.
قالتله بلهجة حاسمة
اسمعني كويس يا حسين لو بعت لشيماء أي قماش، هسحب منك كل طلباتي، ومش هتشوف مني جنيه واحد بعد النهارده!
الحاج حسين سكت شوية، وبعدها قال
حاضر يا هانم.
تاني يوم، دخلت شيماء محل الأقمشة ومعاها قائمة بالخامات اللي محتاجاها.
لكن الحاج حسين ما رفعش عينه في وشها.
قال ببرود
معلش يا بنتي، الخامات اللي إنتِ عايزاها مش موجودة.
شيماء بصت وراه، واټصدمت.
نفس الأقمشة اللي طلبتها كانت متكومة وراه، واللفّات مالية المحل من الأرض للسقف!
رفعت عينيها للحاج حسين، وسألته بهدوء
هي الخامات مش موجودة فعلًا ولا فيه حد قالك ما تبيعليش؟
الحاج حسين اتلخبط، وبدأ يتهرب من عينيها.
وشيماء فهمت في اللحظة دي إن أدريانا مش ناوية تسيبها تنجح بسهولة.
لكن اللي ما كانتش تعرفه، إن قرار أدريانا ده هيكون أول غلطة في سلسلة أخطاء، هتخلّيها تخسر أهم زباينها واحد ورا التاني
والبداية هتكون مع مدام ميرفت الشناوي، الزبونة اللي كانت بتتعامل مع أدريانا من أكتر من عشر سنين، واللي كانت مخبية سرًّا عن العقدة الزرقا سرّ هيغيّر مستقبل شيماء كله!
حكايات بسمة
توقفت شيماء في منتصف محل الأقمشة، ونظرات الحاج حسين المتهربة كانت كافية لتأكيد شكوكها. لم تجادل ولم تصرخ، بل لمّت أوراقها بكرامة، ونظرت إليه بهدوء وقالت
الرزق بتاع ربنا يا حاج حسين، ومش بكتل أقمشة ولا بأوامر حد.
خرجت شيماء من المحل والشمس تلفح وجهها، والضيق يعصر قلبها. عادت إلى المحل الصغير، ووجدت عم رجب جالساً يرتشف شايه. أول ما رأى وجهها، وضع الكوب جانباً وسألها
قفلوا الأبواب في وشك؟
هزت رأسها بأسى وحكت له ما حدث مع الحاج حسين وأدريانا.
تبسم عم رجب ابتسامة عريضة أظهرت تجاعيد طيبة حول عينيه، وقام من مكانه بخطوات هادئة نحو هاتفه القديم المنسق بجانب الكاشير. رفع السماعة وطلب رقماً، ثم قال بصوت رزين
السلام عليكم يا حاج عبد الصمد.. معاك رجب السعدني. عندي بنتي شيماء، صانيعية ذهب وإيدها تتلف في حرير، ومحتاجة خامات نضيفة من غير ما حد يتشرط عليها.. هتبعتلها