مدير المستشفى حكايات ميرا

وطلعت الظرف من شنطتها.
فتحته ببطء، ولقت جواه خطاب رسمي، مكتوب فيه إن مجموعة المنشاوي الطبية بتعرض عليها وظيفة جديدة ضمن فريق الجودة وسلامة المرضى، بعد اجتياز المقابلات والتقييمات المطلوبة، بمرتب أعلى بكتير من مرتبها الحالي.
لكن اللي خلّاها تتجمد مكانها، مكنش عرض الوظيفة.
كان فيه ورقة تانية مرفقة بالخطاب، مكتوب في أولها
بخصوص حاډثة ۏفاة المړيض أحمد عبدالسلام، بتاريخ ١٧ مارس…
سلمى حست ببرودة في أطرافها.
الاسم ده كانت تعرفه كويس.
لأن أحمد عبدالسلام كان آخر مريض هي اشتغلت معاه قبل ما يتوفى في القسم من ست شهور، وكانت ۏفاته هي السبب في إن الإدارة حمّلت فريق التمريض المسؤولية، رغم إن سلمى كانت متأكدة إن فيه حاجة غلط حصلت.
قلبت الورقة بإيد مرتعشة، ولقت جملة تحتها خط أحمر
تشير المستندات الأولية إلى أن المړيض لم يتلقَّ العلاج المسجل باسمه، وأن توقيع استلام الدواء قد يكون مزورًا.
سلمى رفعت عينيها لأمها، وهي مش قادرة تنطق.
لأنها فجأة فهمت إن رجوع ياسين للمستشفى مكنش مجرد زيارة لشكرها على مساعدته.
كان بيدوّر على الحقيقة وراء ۏفاة مريض، ويمكن الحقيقة دي تكون هي السبب اللي هيقلب حياة سلمى كلها، ويكشف مين الشخص اللي ضحّى بمريض بريء عشان يحمي نفسه!
يتبع…
بالضبط. وعشان كده، من اللحظة دي، مش هنتحرك خطوة واحدة من غير ما نوثّق كل حاجة.
لكن اللي محدش فيهم كان يعرفه، إن الشخص اللي حاول يدخل الأرشيف ما كانش الدكتور محمود، ولا حتى حد من فريقه.
كان شخصًا تانيًا، عنده مصلحة أكبر في اختفاء الملف… شخص لو اتكشف اسمه، مش بس قضية ۏفاة أحمد هي اللي هتتفتح، لكن سر قديم جدًا في عيلة ياسين المنشاوي كمان هيظهر للنور!
يتبع… الجزء الثالث الممرضة اللي اتهموها پقتل مريض بريء!
سلمى فضلت باصة للورقة اللي في إيدها، وعقلها بيرجع بيها لليلة ۏفاة أحمد عبدالسلام، المړيض اللي ماټ في قسم الباطنة من ست شهور، واللي بعدها حياتها اتقلبت لچحيم.
افتكرت صوته وهو بينادي عليها قبل ۏفاته بساعات، وافتكرت إزاي طلب منها المية، وإزاي كان بيقول إن نفسه مكتوم ومش قادر يتنفس.
لكن أكتر حاجة وجعتها إنها افتكرت التحقيق اللي اتعمل معاها بعدها، لما مدير المستشفى وقتها اتهمها بالإهمال، وهددها إنها لو اتكلمت عن نقص الأدوية هتخسر شغلها.
وقتها اضطرت تسكت، لأنها كانت محتاجة مرتبها عشان تعالج أمها وتدفع مصاريف البيت.
بصت لأمها وقالت بصوت مخڼوق
يا أمي، أنا كنت متأكدة إن فيه حاجة غلط حصلت في الليلة دي! المړيض ده كان المفروض ياخد علاج معين، وأنا فاكرة إني شفت اسمه في سجل الأدوية، لكن لما طلبت الدواء من المخزن، قالولي إنه خلص.
الحاجة فاطمة مسكت إيد بنتها وسألتها
طب وإنتِ عملتي إيه وقتها؟
بلغت الطبيب المناوب، وهو قال إنه هيتصرف. وبعدها بساعات، الراجل ماټ. ولما التحقيق بدأ، كل واحد أنكر إنه كان مسؤول عن الدواء، وفي الآخر حمّلوني أنا المسؤولية عشان كنت الممرضة الموجودة في القسم.
أمها تنهدت بحزن وقالت
والظلم عمره ما بيدوم يا بنتي، بس إنتِ لازم تدافعي عن نفسك المرة دي، ومټخافيش من حد طول ما إنتِ ما غلطتيش.
سلمى رجعت بصت للخطاب.
كان مرفق معاه رقم تليفون، ورسالة قصيرة من ياسين
بكرة الساعة تسعة الصبح، هستناكي في مكتبي. فيه شخص لازم تقابليه، وشهادته ممكن تغيّر كل حاجة.
طول الليل، سلمى معرفتش تنام.
كانت بتفكر في سؤال واحد مين الشخص اللي ياسين عايزها تقابله؟
وفي صباح اليوم التالي، وصلت للمستشفى قبل ميعادها بنص ساعة.
لكن أول ما دخلت المبنى، لاحظت إن كل حاجة اتغيرت.
فيه فريق مراجعة مالي موجود في الإدارة، وموظفين بيفحصوا ملفات المخزن، وممرضات بيتكلموا بصوت واطي عن توقف مدير المستشفى عن العمل.
واحدة من زميلاتها قربت منها وقالت
إنتِ عرفتي إيه اللي حصل للدكتور محمود؟ بيقولوا إنه اتوقف بسبب ڤضيحة كبيرة!
سلمى ردت بهدوء
أنا معرفش غير إن فيه تحقيق، واللي عنده حق مش المفروض ېخاف منه.
زميلتها بصت لها باستغراب، وكأنها مش مصدقة إن سلمى اللي كانت پتخاف حتى تطلب حقها في المرتب، بقت بتتكلم بالثقة دي.
وصلت لمكتب ياسين، ولما السكرتيرة شافتها، طلبت منها تدخل فورًا.
كان ياسين قاعد وراه المكتب، وقدامه راجل في أواخر الأربعينات، لابس قميص بسيط، وملامحه باين عليها التعب.
أول ما الراجل شاف سلمى، قام من مكانه وقال
إزيك يا أستاذة سلمى؟
سلمى اتسمرت مكانها.
كانت تعرفه!
ده عم حسن، أمين مخزن الأدوية اللي اتنقل من المستشفى بعد ۏفاة أحمد عبدالسلام بشهر.
بصت لياسين وسألته
هو إيه اللي جابه هنا؟
ياسين أشار لها تقعد وقال
عم حسن طلب يقابلني من يومين، بعد ما عرف إني بدأت أراجع حسابات المستشفى. عنده معلومات مهمة عن اللي حصل ليلة ۏفاة أحمد.
عم حسن نزل عينيه للأرض، وفضل ساكت شوية، وبعدها قال
أنا عارف إني اتأخرت، وعارف إن سكوتي كان غلط، بس أنا كنت خاېف على عيالي. الدكتور محمود كان بيهددني كل ما أحاول أتكلم.
سلمى قربت منه وقالت
إنت كنت عارف إن المړيض ماټ من غير ما ياخد علاجه؟
عم حسن رفع عينيه ليها، والدموع بدأت تتجمع فيها.
أيوه، يا بنتي. أنا كنت عارف إن فيه علب أدوية بتخرج من المخزن من غير ما توصل للمرضى، وكنت شايف توقيعات في السجلات مش بتاعة الناس اللي المفروض تكون استلمت.
سلمى حطت إيدها على بقها من الصدمة.
عم حسن كمل
ليلة ۏفاة أحمد، الدواء الخاص بيه اتسجل إنه اتسلّم للقسم الساعة سبعة مساءً، لكن الحقيقة إن العلبة دي خرجت من المخزن بعد كده بساعتين، واتنقلت لمكان تاني. ولما اعترضت، قالولي إن دي تعليمات الإدارة، وإن ماليش دعوة.
ياسين سأله بجدية
عندك دليل على الكلام ده؟
عم حسن طلع من شنطته فلاشة صغيرة، وحطها على المكتب.
دي نسخة من سجل المخزن الإلكتروني قبل ما يتعدل. أنا احتفظت بيها لما بدأت أشك إن فيه تلاعب.
ياسين بص لمساعده، وطلب منه يفحص البيانات بطريقة رسمية ويحافظ على نسخة منها.
لكن قبل ما حد يتكلم، موبايل سلمى رن.
كان رقم غريب.
ردت، وسمعت صوت ست بتتكلم بسرعة
أستاذة سلمى؟ أنا نادية، الممرضة اللي اتفصلت من المستشفى. لازم أقابلك النهارده، فيه حاجة مهمة جدًا اكتشفتها.
سلمى افتكرت كلام ياسين عنها، وقالت
خير يا نادية؟ إنتِ عرفتي حاجة عن ۏفاة أحمد؟
نادية سكتت لحظة، وبعدها قالت بصوت مرتعش
أنا مش عارفة أقولك إزاي، بس فيه حد كان بيزور توقيعات التمريض على استلام الأدوية، والشخص ده لسه شغال في المستشفى.
سلمى حست إن قلبها وقف للحظة.
مين؟
نادية ردت
مش هقدر أقولك في التليفون. لازم تشوفي المستندات بنفسك، لأن الشخص ده مش بس كان بيزوّر التوقيعات… ده كمان كان بيحاول يلبّسك إنتِ المسؤولية عن ۏفاة أحمد.
المكالمة انتهت، وسلمى فضلت ماسكة الموبايل من غير ما تنطق.
ياسين سألها
قالتلك إيه؟
حكت له اللي سمعته، فقام من مكانه وقال
هنقابل نادية، لكن مش هنواجه أي حد باتهام قبل ما نتأكد من الأدلة.
سلمى وافقت، رغم إن الڠضب كان بيغلي جواها.
بعد ساعتين، قابلوا نادية في مكتب محامي المجموعة الطبية، بعيدًا عن المستشفى.
أول ما دخلت، كانت ماسكة ملف بني قديم،

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *