طول 8 سنين

من إيه؟
قالت
من الشجرة.
الشجرة؟
جد كريم كان بيقول إنك الوحيدة اللي تعرفي تنقذي شجرة كانت العيلة كلها شايفاها ماتت.
سكتت.
نفس الجملة اللي قلتيها لي يومها.
جذورها سليمة وهتعيش.
عرفت وقتها إنك إنتِ.
سارة كانت آخر قطعة في اللغز.
لكنها ما كانتش شريكة.
كانت هي كمان مستخدمة في اللعبة.
لأن زواجها من كريم كان جزءًا من صفقة بين العيلتين.
ولو تم الزواج، أبو سارة كان هيشتري نسبة كبيرة من شركة أبويا.
وأسهمي كانت العقبة.
مها بدأت تتحرك قانونيًا.
قدمنا بلاغ.
وطلبنا فحص شهادة الوفاة.
وطلبنا تجميد نقل الأسهم.
وفي نفس الوقت
أنا ما قلتش لأهلي أي حاجة.
خلّيتهم يفتكروا إني لسه مستخبية.
وبدأت أجهز المفاجأة.
بعد 9 أيام، أمي اتصلت.
صوتها كان متوتر.
ندى، إنتِ فين؟
أول مرة من سنين تسألني أنا فين.
قلت
برّه.
لازم تيجي البيت.
ليه؟
سكتت.
وبعدين قالت
عشان فيه مشكلة.
ابتسمت.
أكيد.
قفلت.
وفي اليوم العاشر
وصلني ظرف.
دعوة لحفل خطوبة كريم وسارة.
المكان
قاعة فندق كبير.
التاريخ
بعد يوم من عيد ميلادي الخامس والعشرين.
كان واضح إنهم كانوا مستعجلين.
عايزين يتمموا الصفقة قبل ما أظهر.
لكنهم ما كانوش يعرفوا
إني حضرت.
القاعة كانت مليانة.
أهل سارة.
أهل أبويا.
رجال أعمال.
أقارب.
صحفيين محليين.
وحتى ناس من الشركة.
كريم كان واقف جنب سارة.
وأبويا ماسك الميكروفون.
قال
النهارده بنحتفل ببداية حياة جديدة لابني كريم
وفجأة
باب القاعة اتفتح.
دخلت.
القاعة كلها سكتت.
أمي شافتني.
وقعت منها الكوباية.
كريم اتجمد.
أما أبويا
فبصلي كأنه شاف شبح.
مشيت لحد آخر القاعة.
وقلت
معلش اتأخرت شوية.
محدش اتكلم.
سارة بدأت تبكي.
كريم قال
إنتِ مين؟
بصيتله.
بجد؟
الهمس انتشر في القاعة.
أبويا جري ناحيتي.
ندى، اطلعي برّه.
قلت
ليه؟
الناس دي مش فاهمة.
رفعت إيدي.
بالعكس. النهارده كلهم هيفهموا.
مها دخلت ورايا.
ومعاها ضابط ومأمور تنفيذ.
حطت ملف على الترابيزة.
وقالت بصوت واضح
قدام حضراتكم، عندنا شهادة وفاة مزورة باسم ندى عبدالسلام، رغم إن صاحبة الاسم موجودة قدامكم.
القاعة انفجرت كلام.
أبويا حاول يقاطعها.
لكن الضابط قال
سيبها تكمل.
مها طلعت الورقة التانية.
وعندنا مستندات بتثبت محاولة التصرف في أسهم مملوكة للسيدة ندى عبدالسلام دون علمها.
بصيت لأبويا.
كان بيعرق.
عمي حاول يخرج.
الضابط وقف قدامه.
حضرتك تستنى.
كريم بص لأبوه سارة.
بابا إنت كنت تعرف؟
أبو سارة ما ردش.
سارة خلعت خاتم الخطوبة.
وحطته على الترابيزة.
وقالت
أنا مش هتجوز واحد شارك في دفن أخته وهي عايشة.
كريم انهار.
سارة، استني!
قالت
إنت عارف من إمتى؟
ما ردش.
فهمت من سكوته.
بعدها بأيام، بدأت التحقيقات.
واتضح إن أبويا وعمي زوروا شهادة الوفاة بمساعدة موظف فاسد.
لكن الصدمة الأكبر
إن أبويا ما كانش صاحب الفكرة.
كان عمي.
هو اللي اكتشف شرط جدي في الوصية.
وهو اللي أقنع أبويا إن الحل الوحيد إنهم يعلنوا وفاتي قبل ما أوصل 25.
أما أمي
فكانت عارفة.
لكنها قالت إنها كانت خايفة.
خايفة من الفضيحة.
خايفة من أبويا.
وخايفة أخسرهم.
قلت لها أثناء التحقيق
وإنتِ ما خفتيش أخسر حياتي؟
فضلت ساكتة.
بعد شهرين، صدر الحكم.
عمي اتحبس.
الموظف اللي ساعدهم اتحبس.
وأبويا اتحكم عليه بعقوبة بسبب التزوير والاستيلاء على أموال الشركة.
أما أمي
فثبت إنها كانت على علم بالتزوير، لكن مشاركتها القانونية كانت مختلفة، فدخلت في قضية منفصلة.
لكن بالنسبة لي
المحكمة ما كانتش أهم حاجة.
الأهم كان يوم ما رجعت لشقتي الجديدة.
فتحت الباب.
ما كانش فيه حد بيقوللي
اطلعي برّه.
ولا حد بيقفل عليا أوضتي.
ولا حد بيخبي دوايا.
حطيت النوتة الصفرا على المكتب.
فتحت الصفحة الأخيرة.
187 علامة.
وبجانبها كتبت
188 آخر مرة.
وبعدين شطبت الرقم.
وكتبت
خلصت.
بعد سنة، اشتريت قطعة أرض صغيرة.
وبنيت عليها مشتل.
سميته
الجذور.
الحاجة زينب كانت أول واحدة دخلته.
وسارة بقت من أقرب الناس ليا.
مش لأنها خطيبة أخويا.
لكن لأنها كانت واحدة من الناس القليلة اللي صدقت إحساسها لما كل الناس قالت لها إني ميتة.
أما كريم
فسافر بعيد.
سمعت إنه بدأ حياة جديدة.
ما حاولتش أدور وراه.
كان كفاية إني أخيرًا بطلت أعيش حياتي على حسب وجوده.
وفي يوم، وأنا بزور المقابر، وقفت قدام قبر جدي.
طلعت الحجر الصغير اللي كنت أخدته من بيت أهلي.
حطيته قدام قبره.
وقلت
كنت عارف كل حاجة، صح؟
الهواء حرّك شجرة صغيرة كنت زرعتها هناك.
ابتسمت.
افتكرت جملته القديمة
طول ما لسه فيه أخضر يبقى لسه فيه حياة.
وقتها فهمت إن جدي ما كانش بيتكلم عن الشجر بس.
كان بيتكلم عني.
أنا كنت بالنسبة لأهلي بنت ماتت.
لكن بالنسبة لنفسي
كنت واحدة أخيرًا بدأت تعيش.
بعد أسبوع، وصلتني رسالة من رقم مجهول.
فتحتها.
كانت جملة واحدة
إحنا آسفين.
عرفت إنها من أمي.
بصيت للرسالة فترة طويلة.
وبعدين قفلت الموبايل.
ما رديتش.
مش لأن قلبي حجر.
لكن لأن فيه اعتذارات بتيجي بعد ما يكون الوقت خلص.
وفي آخر اليوم، كنت واقفة وسط المشتل.
طفلة صغيرة كانت مع والدتها، وأشارت لشجرة خوخ وسألتني
هي الشجرة دي هتموت؟
ركعت جنبها.
خربشت حتة صغيرة من القشرة.
ظهر خط أخضر.
ابتسمت وقلت
لأ.
عرفتي إزاي؟
بصيت للشجرة.
وبعدين قلت
طول ما لسه فيه أخضر يبقى لسه فيه حياة.
ومشيت.
لأول مرة في حياتي
ما كانش ورايا بيت لازم أختفي منه.
ولا عيلة لازم أختبئ منها.
ولا تاريخ جديد أضيفه للنوتة.
النوتة اتقفلت.
والحجر اللي عليه اسمي مات مع الماضي.
أما أنا
فكنت عايشة.
مش على الورق بس.
كنت عايشة فعلًا.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *