طول 8 سنين
طول 8 سنين، أهلي كانوا بيخلّوني أختفي من البيت كل ما خطيبة أخويا تيجي تزورنا.
أمي كانت دايمًا تقول
البنت دي من عيلة كبيرة ومحترمة متفضحناش قدامهم.
عمري ما اعترضت.
لحد الليلة اللي رجعت فيها البيت عشان آخد دوايا، ولقيت أهل خطيبة أخويا واقفين قدام أوضتي وبيصلّوا.
وعلى الترابيزة كان فيه حجر صغير مكتوب عليه اسمي.
ما صحّتش حد.
أخدت الدفتر اللي كنت مسجلة فيه 187 تاريخ، حطيت كام حاجة في شنطة، ومشيت من البيت
ومرجعتش له تاني.
الساعة كانت 1047 صباح يوم سبت، لما أمي بعتتلي رسالة، مع إنها كانت واقفة أصلًا ورا باب أوضتي.
الرسالة كانت قصيرة
قبل الساعة 11 مش عايزاكي تكوني في البيت.
كنت وقتها عندي 19 سنة، ولسه بقالي شهرين بحاول أرجع أعيش حياتي بشكل طبيعي بعد ما قضيت كام أسبوع في المستشفى بسبب أزمة حصلتلي، وأهلي عمرهم ما كانوا بيحبوا يسمّوا اللي حصل باسمه.
أمي كانت بتقول
دي مشكلتك.
أبويا كان أسوأ.
ما كانش بيحب يتكلم عنها أصلًا.
الصبح ده حطيت في شنطتي بلوزتين، دوايا، وبنطلون، وكنت لسه بقفل السوستة، لما أمي دخلت من غير ما تخبط.
قالت ببرود
كريم جاي ومعاه خطيبته سارة.
بصيتلها مستنية تكمل.
قالت
أهلها هييجوا كمان.
سألتها
وبعدين؟
وشها اتشد.
أهلها ناس تقال أوي يا ندى. وإحنا مش ناقصين مواقف محرجة.
سارة كانت من عيلة معروفة في طنطا.
أبوها عنده شركة مقاولات كبيرة، وأمها كانت بتشارك في جمعيات خيرية وبتنظم حاجات كتير في الكنيسة… أقصد في الجمعيات والمناسبات الاجتماعية، وكانت أمي شايفة إنهم عيلة نضيفة ومحترمة، ومفيش عندهم المشاكل اللي عندنا.
والمقصود بالمشاكل اللي عندنا
كان أنا.
نزلت تحت.
أبويا كان قاعد على السفرة قدام التلفزيون وبيشرب الشاي.
حط مفتاح عربيتي جنب الفنجان من غير حتى ما يبصلي.
وقال
اقضي الويك إند برّه.
قلت
ليه؟
رفع عينه ثانيتين، وبعدين رجع بص للتلفزيون.
عشان أخوك وخطيبته جايين.
الساعة كانت 1058.
خرجت من البيت.
وأنا بقفل باب العربية، شفت عربية أخويا داخلة الشارع.
كانت سارة قاعدة جنبه.
هي ما شافتنيش.
وده بالظبط
كان اللي أهلي عايزينه.
روحت مشتل صغير على أطراف كفر الشيخ، كانت بتملكه ست كبيرة اسمها الحاجة زينب، وهي جدة صاحبتي منى.
أول ما شافت الشنطة في إيدي، ما سألتنيش حصل إيه.
بس مدتلي جوانتي وقالت
يلا يا بنتي نشتغل الأول، ولما تحبي تحكي احكي.
قضيت معاها اليوم وأنا بقص شجر الفاكهة وبنظف الأرض حوالين الزرع.
وقبل المغرب، وقفت قدام شجرة خوخ شكلها كان ميت تمامًا.
الحاجة زينب طلعت مطواة صغيرة، وخربشت بيها حتة من القشرة.
تحت القشرة ظهر خط أخضر رفيع.
بصتلي وقالت
طول ما لسه فيه أخضر يبقى لسه فيه حياة.
الجملة دي فضلت عالقة في دماغي سنين.
لأني في اليوم ده ما كنتش عارفة
إن اللي حصل مش موقف عابر.
دي كانت أول مرة في قاعدة هتتكرر معايا سنين.
كل مرة كريم يجيب سارة البيت
أنا لازم أختفي.
فرشة أسناني بقت دايمًا في كيس جوه شنطة العربية.
دوايا اختفت من الحمام.
جوابات البريد بتاعتي بقت بتتشال من على الترابيزة.
وفي يوم، لقيت أمي مركبة قفل للباب من برّه.
ولما سألتها، قالت بمنتهى البساطة
احتياطي.
عربيتي كمان ما كانش مسموح تفضل قدام البيت وقت زيارتهم.
والرسائل بدأت تيجي بنفس الأسلوب
اطلعي برّه قبل الساعة 11.
سارة جاية تتغدى. متجيش قبل بكرة.
أهلها هيبقوا عندنا الأحد. شوفي حد تباتي عنده.
بدأت أسجل كل حاجة في نوتة صفرا صغيرة.
كل مرة تحصل
كنت بحط علامة.
ولما وصلت 21 سنة، أمي بدأت تاخد مني 4500 جنيه كل شهر بحجة إني عايشة معاهم.
كنت بدفع إيجار أوضة
الأوضة اللي هما أصلًا كانوا بيقفلوا عليها لما ضيوفهم يجوا.
وفي مرة ما قدرتش أستحمل، وسألت أمي
سارة عارفة عني إيه؟
ردت من غير حتى ما تتردد
قولنالها إنك شغالة في القاهرة.
ضحكت بمرارة.
بس أنا عمري ما عشت في القاهرة.
قالت
هي مش محتاجة تعرف.
سألتها
وكريم موافق على الكدبة دي؟
حطت طبق الأكل قدامي وقالت
أخوكي بيبني مستقبله وبيكوّن بيت. متبوظيش حياته.
لفترة طويلة
صدقتهم.
صدقت إني فعلًا المشكلة.
وصدقت إن أحسن حاجة أعملها إني أختفي.
بس وأنا أهلي بيخبّوني
أنا كنت ببني حياة تانية.
اشتغلت في مشتل كبير في طنطا.
اتعلمت كل حاجة عن الزرع
التطعيم.
التقليم.
الأمراض.
إزاي تنقذي شجرة شكلها ماتت، بس لسه جواها حتة واحدة فيها حياة.
الحاجة زينب بقت بالنسبة لي أكتر من مجرد ست شغالة معاها.
بقت أهلي الحقيقي.
ومع ذلك
كنت كل يوم أحد بالليل برجع بيت أهلي.
كأني لازم أفضل مربوطة بالمكان ده.
لحد يوم جنازة جدتي.
سارة كانت هتحضر الجنازة مع كريم.
أمي قالتلي
متدخليش الجامع.
بصيتلها باستغراب.
قالت
خليكي ورا في المدافن.
ما جادلتهاش.
روحت.
بعد الدفنة، وأنا ماشية، لقيت ورقة برنامج العزاء واقعة على كرسي.
رفعتها.
وقريت أسماء أفراد العيلة.
اسم أمي موجود.
اسم أبويا موجود.
اسم كريم موجود.
دورت بعيني
اسمي ما كانش موجود.
ولا حتى ضمن أفراد الأسرة.
خدت الورقة وحطيتها في النوتة الصفرا.
بعدها بسنتين، حصل موقف كان المفروض يخليني أفهم كل حاجة.
سارة ظهرت قدامي في المشتل اللي كنت بشتغل فيه.
أنا عرفتها فورًا.
هي طبعًا ما كانتش عارفاني.
قالت
أنا بدور على شجرة شكلها حلو تتزرع في حديقة تابعة لجمعية خيرية.
فرجتها على كذا نوع.
وفي الآخر اختارت شجرة ماجنوليا صغيرة.
وهي بتبص على الجذور، بدأت تحكيلي عن سبب اختيارها للشجرة.
قالت
أهل خطيبي فقدوا حد من سنين وعايزين نعمل حاجة تفضل فاكرة الناس بيه.
إيدي وقفت.
سألتها بهدوء
حد مين؟
قالت
أخته.
حسيت بقشعريرة في جسمي.
أخته؟
هزت راسها.
أيوه ماتت وهي صغيرة. كانت حادثة صعبة جدًا.
حسيت إن نفسي اتقطع.
لثواني
افتكرت كل مرة أمي كانت بتطردني فيها من البيت.
كل مرة كانت بتقوللي
اختفي.
لكن بعدها افتكرت الكذبة اللي قالوهالي عن القاهرة.
يمكن كانت بتتكلم عن حد تاني.
يمكن كريم كان عنده أخت غيري.
يمكن أنا اللي فهمت غلط.
حاولت أقنع نفسي بكده.
قبل ما تمشي، سارة فضلت باصة لي شوية.
وبعدين قالت
غريبة
قلت
إيه؟
قالت
حاسة إني شوفتك قبل كده.
ابتسمت.
وقلت
يمكن شبه حد تعرفيه.
لكن من جوايا
كنت بدأت أخاف.
مرت سنين.
وفي يوم سبت من شهر أبريل، أمي بعتتلي رسالة جديدة
عندنا عشا مع أهل سارة. اطلعي قبل الساعة 9 ونص.
بصيت للنوتة الصفرا.
كانت العلامة رقم
رقم 187.
روحت عند الحاجة زينب.
وأنا بفتح علبة دوايا، اكتشفت إني نسيت الجرعة.
العلب كانت في أوضتي.
الأوضة اللي أمي كانت بتقفل عليها.
الحاجة زينب بصتلي وقالت
روحي هاتي حاجتك.
بصيتلها.
قالت
هاتي دواكي وكل اللي ليكي هناك.
رجعت.
كانت الساعة قربت على 10.
عربية أهل سارة كانت لسه قدام البيت.
ركنت عربيتي على بعد شارعين ومشيت على رجلي من ناحية الجنينة.
كان فيه شباك صغير في الطرقة مفتوح سنة.
قربت.
وبصيت من خلاله.
وشفت أمي.
وأبويا.
وكريم.
وسارة.
وأم سارة واقفة قدام باب أوضتي.
أمي كانت بتعيط.
أبويا باصص في الأرض.
وكريم ماسك إيد سارة.
أما أم سارة
فحطت إيدها على باب أوضتي.
وقالت
أبدأ؟
أمي هزت راسها.
الست قفلت عينيها
وبدأت تدعي.
عشاني.
عشان واحدة فاكرينها ماتت.
وأنا كنت واقفة على بعد أقل من أربع متر منهم.
حاولت ما أعملش صوت.
فضلت واقفة لحد ما كلهم خرجوا.
دخلت البيت بعد نص الليل.
كان هادي بشكل يخوف.
مشيت ناحية السفرة.
ولقيت حاجة متحططة عليها.
برواز.
ورد أبيض.
وحجر صغير.
قربت.
بصيت على الحجر.
وقريت اسمي.
ندى عبدالسلام
1997 2016
وتحته مكتوب
هتفضلي عايشة في قلوبنا.
حسيت إن رجلي ما بقتش شايلاني.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني فعلًا
إن جنب الحجر كانت متعلقة بطاقة صغيرة مربوطة في شجرة الماجنوليا اللي أنا بعتها لسارة.
وكان مكتوب عليها بخط إيدي
جذورها سليمة وهتعيش وتكبر.
وقتها بس
كل حاجة ركبت في بعضها.
كل مرة كانوا بيطردوني.
كل مرة كانوا بيخفوا دوايا.
كل مرة كانوا بيقفلوا أوضتي.
كل مرة كانوا بيمنعوني أظهر قدام سارة وأهلها.
كل مرة قالولي فيها
اختفي.
فهمت