الجزء الثاني والاخير في صباح اليوم التالي، سامح ما نامش تقريبًا. فضل طول الليل قاعد قدام اللابتوب، وكل شوية يرجع يفتكر كلام ملك. «بابا بيدخل أوضتي بالليل...» الجملة كانت بتتكرر في دماغه بشكل مؤلم. الساعة كانت قربت من سبعة الصبح لما رن تليفونه. كان كريم. — أنا جمعتلك أسماء دكاترة أطفال متخصصين في الحالات الحساسة، وكمان محامية شاطرة في قضايا حماية الأطفال. سامح سكت لحظة. — عايز كل حاجة تتم بالقانون. — أكيد. — ومحدش يتواصل مع أخويا قبل ما نعرف نتصرف إزاي. كريم فهم قصده. — عندك سبب يخليك خايف إنه يهرب أو يخفي حاجة؟ سامح بص قدامه. — محمود طول عمره بيفكر قبل أي خطوة. لو حس إننا شاكين فيه، مش هنلاقي حاجة. بعدها بساعتين، كان سامح واقف قدام عيادة طبيبة أطفال في القاهرة الجديدة. لكنه كان عارف إن وجود ملك معاه لوحده مستحيل يحصل. عشان كده، اتفق مع المحامية إنهم يتعاملوا مع الموضوع من خلال الجهات المختصة، بحيث يتم فحص الطفلة رسميًا وبطريقة تحميها. وفي نفس الوقت، بدأ سامح يراجع كل التفاصيل اللي قالتها له. الأوقات. الكدمات. كلام الأم. رد فعل الأب. وخصوصًا الجملة اللي سمعها من نهى قبل ما يدخل البيت: «لو رجعتي تقولي الكلام الكدب ده عن باباكي...» ليه كانت بتقول كده؟ هل كانت بتحمي محمود؟ ولا كانت خايفة منه هي نفسها؟ سامح ما كانش عارف. لكن كان فيه شيء واحد متأكد منه... لازم يعرف. --- في المساء، اتصل بمحمود. — عامل إيه؟ محمود رد بشكل طبيعي جدًا: — تمام. إنت رجعت القاهرة؟ — آه. — الرحلة كانت كويسة؟ سامح سكت لحظة. — آه. محمود ضحك. — إنت ساكت ليه؟ — بفكر أعدي عليكم الأسبوع الجاي. ساد صمت قصير. — ليه؟ — وحشتني ملك. محمود ضحك. — البنت متعلقة بيك. سامح شد على التليفون. — وأنا كمان. بعدها سأل بشكل عابر: — هي كانت تعبانة شوية امبارح؟ صوت محمود اتغير للحظة. — ليه بتسأل؟ سامح حاول يخلي نبرته طبيعية. — عشان كانت بتقول إن الكرسي بيوجعها. — الأطفال بيحبوا يعملوا قصص. — ممكن. وبعدين أنهى المكالمة. لكن سامح ما كانش محتاج يسمع أكتر. محمود كان قلقان. السؤال البسيط خلاه يتوتر. وده معناه إن فيه حاجة هو مش عايز سامح يسأل عنها. --- في اليوم التالي، وصل سامح خطاب رسمي من المحامية. كان فيه إجراءات قانونية لازم تبدأ فورًا. وبالتزامن، اتحدد موعد لفحص ملك من خلال الجهات المختصة. لكن قبل ما يتم أي شيء، حصل شيء غير متوقع. الساعة كانت حوالي عشرة بالليل، ورقم غريب اتصل بسامح. — ألو؟ صوت بنت صغيرة جدًا جاء من الطرف الآخر. — خالو سامح؟ سامح وقف من مكانه. — ملك؟ — أيوه. — إنتِ فين؟ البنت كانت بتتكلم بصوت منخفض جدًا. — في أوضتي. — موبايل مين؟ — ماما سايباه في الصالة. سامح حس بقلبه بيخبط. — ملك، اسمعيني كويس. إنتِ كويسة؟ سكتت. وبعدين قالت: — بابا زعلان. — ليه؟ — عشان سمعني وأنا بقول لماما إني مش عايزة أنام لوحدي. سامح حاول يفضل هادي. — ماما جنبك؟ — لأ. وبعدين همست: — خالو... أنا لقيت حاجة. سامح جلس على طرف السرير. — إيه؟ — في درج مكتب بابا. — إيه اللي لقيتيه؟ — صور. سكت سامح. — صور لإيه؟ البنت بدأت تبكي. — صور ليا. سامح شعر ببرودة في أطرافه. — صور ليكي وإنتِ فين؟ — مش عارفة. وبعدين قالت: — بس أنا لقيت صور تانية لبنات. سامح ما ردش. عقله بدأ يشتغل بسرعة. لكن قبل ما يسألها أي سؤال... سمع صوت باب بيتفتح في الخلفية. ملك شهقت. — بابا! وانقطع الاتصال. --- سامح اتصل فورًا بكريم. — حصل إيه؟ — ملك اتصلت بيا. — قالت إيه؟ سامح حكى له. كريم سكت ثواني. — لازم نتحرك دلوقتي. — عارف. — هل تعرف عنوان البيت بالضبط؟ سامح رد فورًا: — طبعًا. — اتصل بالجهات المختصة. سامح نفذ. وفي نفس الوقت، بدأت المحامية تتحرك رسميًا. لم يكن سامح يعرف ما إذا كانت الصور التي تحدثت عنها ملك موجودة فعلًا أم أن الخوف جعلها تسيء فهم شيء رأته. لكن وجود احتمال واحد فقط كان كافيًا. --- بعد حوالي ساعة، وصل سامح إلى المنطقة القريبة من بيت أخوه. لكنه لم يدخل. فضل ينتظر مع كريم. كان فيه إجراءات رسمية لازم تتم قبل أي مواجهة. وفجأة، وصل اتصال. — سامح؟ — أيوه. — لازم تعرف حاجة. — إيه؟ — محمود خرج من البيت. سامح اتوتر. — خرج لوحده؟ — لأ. سكت الصوت لحظة. — خرج هو ونهى... وملك معاهم. سامح حس إن الأرض اتحركت تحته. — رايحين فين؟ — مش عارفين. قفل سامح المكالمة. وبص لكريم. — خدوا ملك. كريم هز رأسه. — هنحاول نحدد مكانهم. لكن قبل ما يتحركوا، وصل لسامح إشعار على هاتفه. رسالة من رقم مجهول. فتحها. وكان فيها صورة واحدة فقط. درج مكتب محمود. وفي الخلفية ظهر جزء من ملف أبيض. وعليه اسم... «ملك محمود عبد الرحمن». سامح قرب الصورة من عينه. وتحت اسم ملك كان فيه تاريخ. قبل ولادتها بسنة كاملة. اتسعت عينا سامح. — كريم... — إيه؟ سامح رفع التليفون. — دي مش مجرد صور. — إيه اللي تقصده؟ سامح أشار للتاريخ. — الملف ده اتفتح قبل ما ملك تتولد. ثم وصلته رسالة ثانية: «لو عايز تعرف الحقيقة عن ملك... دور على اسم أختك.» سامح تجمد. لأن أختهم الوحيدة... كانت متوفية من سبع سنين. ولأول مرة، بدأ يشك إن القضية اللي دخل فيها لحماية بنت أخوه... ممكن تكون مرتبطة بسر قديم مدفون داخل عيلتهم من سنين. والسؤال الأصعب كان: ليه حد لسه مجهول بعت له الصور؟ وليه اختار اسم أخته الراحلة تحديدًا؟ سامح فضل واقف مكانه، عينه مثبتة على الرسالة. «لو عايز تعرف الحقيقة عن ملك... دور على اسم أختك.» اسم أخته «ريم» كان كفيل يرجّع له وجع قديم حاول سنين يدفنه. ريم ماتت من سبع سنين. ومن يوم وفاتها، محمود تقريبًا ما جابش سيرتها. سامح بص لكريم. — إنت فاكر ريم؟ كريم استغرب السؤال. — طبعًا. ليه؟ — الرسالة بتقول أدور على اسمها. كريم قرب منه. — لازم نعرف مين بعت الرسالة. — والأهم... لازم نعرف ليه. في اللحظة دي وصل إشعار جديد. ملف مرفق. سامح فتحه. كانت صورة لورقة قديمة، شكلها تقرير طبي. وفي أعلى الصفحة اسم: ريم عبد الرحمن. وتحت الاسم تاريخ يعود إلى أكثر من سبع سنين. سامح قرب الصورة من عينه. وبدأ يقرأ. لكن قبل ما يكمل، ظهر سطر جعل إيده ترتعش. «المولودة: أنثى.» سامح رفع رأسه فجأة. — مستحيل... كريم سأله: — إيه؟ سامح ما ردش. رجع للصورة. قرأ التاريخ مرة ثانية. ثم قال: — ملك اتولدت بعد وفاة ريم بفترة. كريم فهم. — إنت بتقول إن... سامح قاطعه: — مش عايز أقول حاجة قبل ما أتأكد. لكن الشك بدأ يكبر داخله. --- في صباح اليوم التالي، ذهب سامح إلى المستشفى المذكور في الورقة القديمة. دخل قسم السجلات وطلب مقابلة المسؤول. في البداية رفضوا. لكن بعد ما قدم الأوراق القانونية المطلوبة، وافق الموظف على مراجعة بعض السجلات القديمة. بعد حوالي عشرين دقيقة، رجع الموظف وفي إيده ملف. — الملف ده قديم جدًا. سامح أخده. فتح الصفحة الأولى. اسم ريم. تاريخ دخولها المستشفى. ثم تاريخ خروجها. لكن فيه شيء غريب. التاريخ الأخير لم يكن متوافقًا مع التاريخ الذي تعرفه العائلة لوفاتها. سامح رفع عينه. — مين عدّل البيانات دي؟ الموظف اتوتر. — أنا معرفش. — الملف اتفتح قبل كده؟ الموظف قلب الصفحات. — فيه ملاحظة هنا. سامح قرب. كان مكتوبًا: «تم نقل المريضة إلى قسم آخر بناءً على طلب أحد أفراد الأسرة.» — مين فرد الأسرة؟ الموظف أشار إلى خانة صغيرة. الاسم كان شبه ممسوح. لكن آخر حرفين كانوا واضحين. ...محمود. سامح حس بصدمة. أخوه كان موجودًا يومها. لكنه كان دائمًا يقول إن ريم توفيت في حادث. لماذا كان موجودًا في المستشفى؟ ولماذا تم تعديل الملف؟ --- خرج سامح من المستشفى واتصل بكريم. — لقيت حاجة. — إيه؟ — محمود كان موجود في المستشفى يوم وفاة ريم. — وإنت ما كنتش تعرف؟ — لأ. — ممكن يكون كان موجود كأخوها. — ممكن. سامح سكت. — بس فيه حاجة تانية. — إيه؟ — ملف ريم فيه سجل لمولودة أنثى. كريم لم يتكلم. — سامح... — عارف. — لازم تعمل تحليل DNA رسمي. — أول ما نلاقي ملك. --- في نفس الوقت، كان محمود يقود سيارته على طريق سريع خارج القاهرة. نهى كانت بجانبه. وملك في المقعد الخلفي. البنت كانت ساكتة. محمود بص لها من المرآة. — انتي قلتي لخالك إيه؟ ملك لم ترد. — بسألك. نهى تدخلت: — سيبها. محمود انفعل: — أنا بكلم بنتي. ملك بدأت تبكي. نهى قالت: — خلاص يا محمود. — إنتِ اللي بوظتي كل حاجة. نهى بصت له. — أنا؟ — أيوه. كان المفروض ما تعرفش أي حاجة. ملك رفعت رأسها. كانت تسمع كل كلمة. محمود أدرك فجأة إنها كانت صاحية. سكت. لكن الضرر كان حصل. --- بعد ساعات، توقفت السيارة أمام بيت قديم في أطراف مدينة الإسماعيلية. ملك بصت من الشباك. — إحنا فين؟ محمود رد: — مكان هنقعد فيه شوية. — خالو هييجي؟ — لا. البنت بدأت تعيط. — أنا عايزة خالو سامح. نهى نزلت من السيارة. لكن قبل ما تفتح الباب الخلفي، وصل لمحمود اتصال. بص للشاشة. وتغير لون وشه. — مين؟ نهى سألت. محمود ما ردش. ظهر على الشاشة اسم: سامح. رفض المكالمة. وبعد ثوانٍ، وصلته رسالة. «أنا عارف عن ريم.» محمود تجمد. نهى لاحظت. — عرف إيه؟ محمود قفل التليفون. — مفيش. لكن نهى بدأت تفهم إن الموضوع خرج عن السيطرة. --- في القاهرة، سامح لم يكن وحده. كريم حصل على تسجيل من كاميرا مراقبة بالقرب من بيت محمود. التسجيل أظهر السيارة وهي تغادر. وفي نفس الوقت، تم تحديد مسارها من كاميرات الطرق. سامح كان بيتابع كل شيء. ثم وصل اتصال من شخص يعمل في إحدى الجهات المختصة. — لقينا مكان العربية. سامح وقف. — فين؟ — الإسماعيلية. سامح أخذ نفسًا عميقًا. — ملك معاهم؟ — أيوه. ثم جاء السؤال الذي لم يكن سامح مستعدًا له: — سامح... إنت متأكد إن ملك بنت أخوك؟ سكت. — ليه بتسأل؟ — لأن البيانات الأولية اللي وصلتنا عن اسم ملك وتاريخ ميلادها فيها تعارضات. سامح نظر إلى كريم. كريم فهم. — يعني إيه تعارضات؟ — يعني فيه احتمال إن شهادة الميلاد الحالية مش أول شهادة اتعملت للطفلة. سامح شعر أن كل شيء بدأ يتصل ببعضه. ملف ريم. المولودة الأنثى. تاريخ ميلاد ملك. والآن... شهادة ميلاد أخرى. --- بعد ساعات قليلة، وصلت الجهات المختصة إلى المكان. محمود حاول منعهم من الدخول. لكن الإجراءات القانونية كانت واضحة. بدأت الأبواب تفتح واحدًا تلو الآخر. وفي غرفة صغيرة في الطابق العلوي... وجدوا ملك. كانت قاعدة في زاوية السرير، حاضنة دبدوب صغير. أول ما شافت سامح، جريت عليه. — خالو! سامح حضنها بقوة. — أنا هنا يا فراشتي. البنت دفنت وشها في صدره. — كنت خايفة. — خلاص... أنا معاكي. وفي أثناء خروجهم، لاحظ أحد الموجودين صندوقًا خشبيًا قديمًا في غرفة أخرى. الصندوق كان مقفولًا. لكن على غطائه كانت هناك علامة صغيرة. سامح عرفها فورًا. كانت نفس العلامة التي كانت أخته ريم ترسمها على دفاترها وهي صغيرة. طلب فتح الصندوق وفق الإجراءات القانونية. وعندما فتحوه... لم يجدوا صورًا. ولا أموالًا. ولا مجوهرات. وجدوا ملفًا طبيًا قديمًا. وفوقه ورقة مكتوبة بخط يد ريم. ثلاث كلمات فقط: «سامح... سامحني.» سامح ظل واقفًا ينظر إلى الورقة. وبجانبه كانت ملك تمسك يده. لكنه لم يكن يعرف بعد... أن الورقة دي هتغيّر كل اللي كان فاكره عن وفاة أخته. وإن الحقيقة الكاملة عن ملك... كانت مخبية في مكان لم يخطر على باله أبدًا. وكان باقي الملف يحمل اسم شخص واحد فقط... «محمود». تمام، نكمل قبل الأخير، وهنا هتبدأ الحقيقة تظهر، لكن هنسيب جزء مهم للنهاية المقفولة. سامح فضل ماسك الورقة اللي كتبتها ريم بإيد مرتعشة. «سامح... سامحني.» الكلمتين دول كانوا كفاية يخلّوه يحس إن أخته كانت عارفة إنها هتختفي من حياته بطريقة ما. لكن السؤال كان: سامحني على إيه؟ فتح الملف الطبي الموجود في الصندوق. صفحة وراء صفحة... تحاليل. تقارير. أسماء أطباء. وبعدين لقى ورقة صغيرة متنية بعناية. فتحها. وكان مكتوب فيها: «لو حصل لي أي حاجة، متصدقش إن ملك بنت محمود.» سامح حس إن قلبه وقف. رجع قرأ الجملة مرة تانية. ملك مش بنت محمود؟ كريم قرب منه. — مكتوب إيه؟ سامح ناوله الورقة. كريم قرأها وسكت. — لازم نعرف الحقيقة قبل ما نستنتج أي حاجة. سامح هز رأسه. — عارف. قلب باقي الأوراق بسرعة. وفي آخر الملف، لقى نتيجة تحليل قديمة. الاسم الموجود عليها كان: ريم عبد الرحمن. وتحتها بيانات طفل لم يولد بعد. لكن اسم الأب... كان مختلفًا تمامًا. سامح رفع عينه لكريم. — فيه اسم هنا. — مين؟ سامح قال الاسم بصوت منخفض. — «حسام فؤاد». كريم عقد حاجبيه. — تعرفه؟ سامح هز رأسه. — لأ. لكن الاسم كان مألوفًا بشكل غريب. --- في نفس الوقت، كانت ملك في مكان آمن تحت رعاية الجهات المختصة. سامح كان عايز يروح لها فورًا، لكن كان لازم يخلص الإجراءات. وبعد ساعات، سُمح له بمقابلتها. دخل الغرفة. ملك أول ما شافته جريت عليه. — خالو! حضنها. — أنا هنا يا فراشتي. البنت قالت وهي بتعيط: — أنا قلتلك الحقيقة. — وأنا مصدقك. — بابا كان بيقول إن مفيش حد هيصدقني. سامح مسح دموعها. — محدش هيخوفك تاني. سكتت شوية. ثم قالت: — خالو... — نعم؟ — ماما كانت بتعيط كل ليلة. سامح تجمد. — ليه؟ — عشان بابا كان بيزعق لها. — قالتلك إيه؟ ملك بصت حواليها. — قالتلي مرة إن بابا مش هو بابا الحقيقي. سامح حس إن نفسه اتقطع. — قالتلك كده إمتى؟ — من زمان. — وقالتلك مين أبوكي؟ ملك هزت رأسها. — لأ. ثم أضافت: — بس قالتلي اسم «ريم». سامح اتجمد. ريم. اسم أخته. --- بعدها بساعات، بدأت الجهات المختصة في مراجعة المستندات الرسمية الخاصة بملك. وكانت المفاجأة: بيانات الميلاد الحالية لم تكن متطابقة بالكامل مع سجل المستشفى القديم. كان هناك تعديل رسمي تم بعد سنوات من ولادتها. والشخص الذي قدم بعض الأوراق وقتها... كان محمود. سامح حس بالغضب. لكن المحامية قالت له: — لسه ما نقدرش نقول إن ده يثبت جريمة. لازم نعرف سبب التعديل. سامح رد: — وأنا هعرف. --- في اليوم التالي، ظهر «حسام فؤاد». رجل في أواخر الأربعينات، هادي جدًا، ويعيش في الإسكندرية. كان يعمل طبيبًا في نفس المستشفى الذي عولجت فيه ريم قبل وفاتها. لما سامح قابله، أول حاجة قالها حسام كانت: — كنت عارف إن اليوم ده هييجي. سامح بص له. — كنت تعرف ريم؟ حسام أطرق رأسه. — كنت أعرفها كويس. — وكانت ملك بنتك؟ سكت حسام فترة طويلة. ثم قال: — مش بالبساطة دي. سامح انفعل: — أنا مش جاي ألعب ألغاز. بنت عندها خمس سنين اتخافت واتعرضت لأذى، وأختي ماتت، وأخويا مخبي حاجات عننا. عايز الحقيقة. حسام تنهد. — ريم كانت بتحاول تحمي بنتها. — من مين؟ — من محمود. سامح قبض إيده. — ليه؟ حسام بص له مباشرة. — لأن محمود كان عايز ياخد ملك لنفسه بأي طريقة. — ليه؟ — لأن ملك كانت مرتبطة بسر مالي كبير. سامح سكت. حسام كمل: — قبل وفاة ريم بفترة، كانت اكتشفت إن محمود بيستخدم اسم الشركة في معاملات مالية مش قانونية. — يعني اختلاس؟ — أنا مش هسميه جريمة قبل ما أشوف المستندات كاملة. لكن ريم كانت عندها أدلة. سامح بدأ يفهم. — وملك؟ — ريم كانت خايفة إن محمود يؤذيها عشان يسكتها. — فإيه اللي حصل؟ حسام أخرج ظرفًا قديمًا من حقيبته. — ريم طلبت مني أساعدها. فتح الظرف. كانت فيه صورة قديمة لطفلة رضيعة. سامح نظر للصورة. كان فيه شيء مألوف في ملامحها. حسام قال: — ريم كانت عايزة تخرج من البلد مع البنت. — لكن ما قدرتش. — لأ. حسام سكت. ثم قال: — محمود عرف. سامح شعر بالغضب. — وإيه اللي حصل بعد كده؟ حسام لم يجب فورًا. وبدلًا من ذلك، أخرج ورقة أخرى. — دي آخر رسالة وصلتني من ريم قبل وفاتها. سامح أخذها. قرأ أول سطر. ثم توقف. لأن الرسالة كانت تحتوي على جملة واحدة جعلته يشعر أن كل شيء اتقلب: «لو أنا مت، ملك لازم تعرف إن أبوها الحقيقي عايش.» سامح رفع رأسه. — أبوها عايش؟ حسام هز رأسه. — أيوه. — مين؟ حسام بص له طويلًا. ثم قال اسمًا جعل سامح يشعر بصدمة: — أخوك محمود مش أبوها... لكن أبوها الحقيقي موجود، وهو الشخص الوحيد اللي يقدر يفسر ليه ريم ماتت وهي خايفة. --- في نفس الليلة، وصل لسامح ظرف جديد. مفيش اسم مرسل. جواه فلاشة صغيرة. وصلها باللابتوب. ظهر فيديو قديم. ريم كانت قاعدة قدام الكاميرا. وشكلها كان واضح عليه الخوف. وقالت: — سامح... لو إنت بتشوف الفيديو ده، يبقى أنا ما قدرتش أحمي ملك. وسكتت وهي بتحاول تمنع دموعها. — متثقش في محمود. ثم قالت الجملة الأخيرة: — وابحث عن الرجل اللي كان واقف معايا في المستشفى يوم ولادة ملك... لأنه هو الوحيد اللي يعرف الحقيقة كاملة. الفيديو انتهى. سامح فضل ساكت. وبعدين بص لكريم. — مين كان موجود في المستشفى؟ كريم فتح الملف القديم. وبدأ يراجع أسماء العاملين والمرضى والزوار. وفجأة توقف. — سامح... — إيه؟ كريم أشار إلى اسم في السجل. حسام فؤاد. سامح بص له. — بس حسام قال إنه كان هناك. كريم هز رأسه. — فيه اسم تاني. — مين؟ كريم قرب الشاشة. سامح قرأ الاسم. وتجمد. لأن الاسم لم يكن اسم غريب... كان اسم شخص من عائلتهم. نهى. زوجة محمود. سامح قال بصوت منخفض: — يعني نهى كانت موجودة يوم ولادة ملك؟ كريم رد: — والأغرب من كده... — إيه؟ — السجل بيقول إنها دخلت المستشفى قبل ريم بساعتين... وخرجت بعد ولادة ملك بساعة واحدة. سامح لم ينطق. وفجأة فهم إن نهى لم تكن مجرد أم خافتة أو زوجة تحاول حماية زوجها. هي كانت موجودة منذ البداية. وكان عندها سر أخطر من أي شيء عرفه حتى الآن. لكن سامح لم يكن يعرف أن المواجهة القادمة مع نهى... هتفتح آخر باب في الحكاية. وهتخليه يعرف مين والد ملك الحقيقي، وليه محمود أخفى الحقيقة كل السنين دي. نختمها بنهاية مقفولة، ونربط كل الخيوط: ريم، ملك، نهى، محمود، وحقيقة الأب الحقيقي. سامح فضل طول الليل مش قادر ينام. اسم «نهى» كان بيلف في دماغه. زوجة أخوه كانت موجودة في المستشفى يوم ولادة ملك. ليه؟ وليه ريم كتبت إنها كانت بتحاول تحمي بنتها؟ وليه محمود أخفى كل حاجة؟ الصبح، سامح طلب يقابل نهى. المواجهة تمت في وجود المحامية والجهات المختصة. نهى دخلت وهي باينة عليها علامات الانهيار. سامح بص لها مباشرة. — كنتِ في المستشفى يوم ولادة ملك؟ نهى سكتت. — جاوبيني. بدأت دموعها تنزل. — أيوه. — ليه؟ نهى غطت وشها بإيديها. — لأن ريم طلبت مني أساعدها. سامح اتصدم. — تساعديها في إيه؟ — تهرب بملك. سكت المكان كله. نهى كملت: — ريم كانت عارفة إن محمود اكتشف إنها ناوية تسيبه وتكشف كل اللي عرفته عن شغله. — وإنتِ وافقتي تساعديها؟ — في البداية أيوه. — وبعدين؟ نهى بدأت تبكي. — محمود عرف. سامح شد إيده. — عمل إيه؟ — هددني. — هددك بإيه؟ — قال إنه لو ساعدت ريم، هيضيعني أنا كمان، وهيأذي عيلتي. سامح بص لها بغضب. — وإنتِ سبتِ ريم؟ نهى هزت رأسها. — أنا خفت. سكتت لحظة. — وفي الليلة دي، حصلت الولادة. سامح قال: — وملك كانت بنت مين؟ نهى أغمضت عينيها. — بنت ريم... وبعدين رفعت عينيها وقالت: — وأبوها الحقيقي كان حسام. سامح أخذ نفسًا عميقًا. لكن نهى أضافت: — ومحمود كان عارف. --- اتضح إن ريم كانت على علاقة بحسام قبل سنوات من وفاتها، وإن ملك كانت ابنتهما. لكن ريم لم تكن تريد أن تدخل ابنتها في صراع بين العائلتين. كانت تخطط للسفر مع ملك، ومعها مستندات تثبت معاملات مالية كان محمود متورطًا فيها. نهى حاولت مساعدتها في البداية. لكن محمود اكتشف الأمر. وفي المستشفى، بعد ولادة ملك، ضغط على نهى لكي تساعده في إخفاء الحقيقة. تم تسجيل ملك لاحقًا باسم محمود، بينما تم الاحتفاظ بالملفات الأصلية بعيدًا عن متناول الجميع. أما ريم... فلم تستطع الهرب. --- سامح رجع للملف القديم. التقرير الطبي. رسائل ريم. الفيديو. كل قطعة كانت بتكمل جزء من الصورة. لكن بقي سؤال واحد: إيه اللي حصل لريم؟ نهى لم تعرف كل التفاصيل. لكن التحقيقات الرسمية أعادت فتح ملف وفاتها، وظهرت تناقضات في التقرير القديم. وفي النهاية، ثبت أن قصة الحادث التي عاشت العائلة عليها لسنوات لم تكن بالصورة التي قيلت لهم وقتها، وبدأت الجهات المختصة تحقيقًا جديدًا في ملابسات وفاتها. محمود حاول في البداية الإنكار. لكن المستندات والرسائل والبيانات القديمة كشفت تناقضات كثيرة. والأهم... كان هناك تسجيل قديم احتفظت به ريم. في التسجيل قالت: — لو حصل لي حاجة، ملك مش ذنبها أي حاجة. متلوموهاش على أخطاء الكبار. هي تستحق تعرف الحقيقة لما تكبر. --- بعد فترة، خضع ملف ملك للإجراءات القانونية اللازمة. تم إثبات هويتها ونسبها بشكل رسمي من خلال الفحوصات والإجراءات القانونية. وحسام أصبح جزءًا من حياتها، لكن من غير ما يتم إجبارها على أي علاقة لم تكن مستعدة لها. أما سامح... فكان أهم شخص بالنسبة لها في تلك الفترة. في يوم، كان سامح واقف قدام المدرسة مستنيها. خرجت ملك وهي شايلة شنطتها. أول ما شافته جريت عليه. — خالو! فتح دراعه. — تعالي يا فراشتي. حضنته وقالت: — أنا مش خايفة دلوقتي. سامح ابتسم. — عارفة ليه؟ — ليه؟ — لأنك بقيتي عارفة إنك مش لوحدك. ملك سكتت لحظة. ثم قالت: — وماما كانت بتحبني؟ سامح عينيه دمعت. — أكتر من أي حاجة في الدنيا. — كانت بتحاول تحميني؟ — أيوه. البنت حضنته بقوة. — وأنا مش هنسى ماما. سامح مسح على شعرها. — ولا أنا. --- بعد شهور، انتهت التحقيقات الأولى، وأصبحت قضية محمود أمام القضاء، بينما استمرت الإجراءات المتعلقة بالملفات المالية والوقائع الأخرى. نهى اعترفت بدورها في إخفاء بعض المعلومات، وقالت الحقيقة كاملة بعدما أدركت أن صمتها لم يعد يحمي أحدًا. أما سامح، فكان كل اللي يهمه إن ملك تعيش حياة طبيعية. اشترى لها فراشة صغيرة مرسومة على شنطة المدرسة. ولما شافتها، ضحكت. — دي شبه اسمي اللي إنت بتقولهولي. — عشان إنتِ فراشتي. ابتسمت. وبعدين قالت: — خالو؟ — نعم؟ — الكرسي مش بيوجعني دلوقتي. سامح سكت. الجملة البسيطة دي رجعت له كل تفاصيل الليلة الأولى. الليلة اللي بنت صغيرة قالت فيها: «الكرسي بيوجعني.» وكان ممكن الكل يعتبرها مجرد طفلة بتبالغ أو بتكدب. لكن شخص واحد قرر يسمعها. ويصدق خوفها. ويتحرك بدل ما يسكت. سامح بص لملك وهي بتجري قدامه. وفهم أخيرًا إن المفاجأة اللي حضرها لأهلها لم تكن مجرد كشف سر. كانت إنقاذ حياة طفلة من إنها تكبر وهي شايلة ذنب شيء لم يكن ذنبها أصلًا. وفي آخر يوم في القضية، وصل لسامح ظرف صغير. فتح الظرف. كان فيه آخر شيء تركته ريم لابنتها. ورقة قصيرة كتبت فيها: «ملك، لو وصلتك الرسالة دي يومًا، افتكري حاجة واحدة: إنتِ مش نتيجة أخطاء الكبار... إنتِ أجمل حاجة حصلت في حياتي. ومهما حصل، ماما عمرها ما سابتك بإرادتها.» سامح قرأ الرسالة، ودموعه نزلت من غير ما يحس. وبعدين طوى الورقة وحطها في صندوق ملك. لأنها كانت لسه صغيرة. لكن لما تكبر... هتعرف كل الحقيقة. وهتعرف كمان إن أمها، في أصعب لحظات حياتها، اختارت تحارب عشان تحميها. ومن يومها، عمر ملك ما رجع زي الأول... لكنه أخيرًا بقى عمر من غير خوف. تمت