جوزي طفش ج٢ اماني السيد

وسكتت.

أنا كمان سكت.

بس جوايا كنت متضايقة.

لأني بدأت أحس إنها بتتغير.

بقت ترد.

بقت تعرف قيمة تعبها.

وبقت الناس في المدرسة كلها تعرفها.

كل يوم واحدة تطلب منها صينية.

واحدة تطلب منها محشي.

واحدة تطلب تفريزات.

واحدة تطلب بانيه.

وبدأ اسمها ينتشر.

حتى المدرسات اللي كانت في الأول بتساعدها من باب الشفقة، بقوا يطلبوا منها بالأعداد.

وأنا؟

كنت شايفة كل ده قدامي.

وفجأة لقيتني بفكر في حاجة غريبة.

قلت لنفسي:

“هي ليه تكسب كل الفلوس دي وأنا أقدر أخد منها الأكل ببلاش؟”

من يومها بدأت أضغط عليها أكتر.

لو عملت عشر علب، آخد تلاتة.

لو عملت صينية محشي، آخد نصها.

لو عملت تفريزات، أقول لها:

— هاتي شوية للبيت.

ولو قالت لي الحساب، أزعق.

— ده أنا حماتك!

وكانت تسكت.

لحد ما جه اليوم اللي حصلت فيه العزومة.

من بدري جدًا، كانت شغالة كأنها في خلية نحل.

صواني دخلت الفرن.

محشي على النار.

بانيه بيتبل.

خضار بيتغسل.

علب بتتعبى.

وكل شوية تليفونها يرن.

— أيوه يا مدام، حاضر.

— أيوه، كله هيكون جاهز.

— لا، متقلقيش، هبعت لك كل حاجة متغلفة.

كنت قاعدة على الكرسي وببص لها.

في الأول كنت شايفة إنها بتتعب نفسها على الفاضي.

لكن مع مرور الوقت، بدأت ألاحظ حاجة.

كان معاها ظرف صغير بتحط فيه الفلوس.

كل ما حد يدفع لها، كانت تفتح الظرف وتحط الفلوس جواه.

وبعدها تطلع ورقة صغيرة وتكتب عليها:

“مصاريف المدرسة.”

“كتب.”

“أكل.”

“دواء.”

“مواصلات.”

“إيجار لو اضطرينا نخرج.”

قعدت أبص على الورقة الأخيرة طويلًا.

“إيجار لو اضطرينا نخرج.”

الكلمة دي خلتني أقول في نفسي:

“هو أنا فعلًا ممكن أطردهم؟”

وبعدين هزيت دماغي.

“وأطردهم يعني أوديهم فين؟”

لكن في اللحظة دي، بدل ما أحس بالذنب، حسيت بحاجة تانية.

حسيت إنها لو خرجت من البيت، هتقدر تعيش من شغلها.

وده ضايقني.

لأني كنت متعودة إنها محتاجة لي.

محتاجة سقف بيتي.

محتاجة ابني.

محتاجة أي مساعدة.

لكن دلوقتي؟

كانت واقفة على رجليها.

والأصعب من كده إنها بدأت تبني لنفسها حياة من غير ابني.

قبل الظهر بشوية، عربية صغيرة وقفت قدام البيت.

نزلت منها ست محترمة جدًا، ومعاها بنتين.

دخلت وسلمت عليها بحرارة.

— يا سلوى، أنا مش عارفة أشكرك إزاي.

سلوى ابتسمت وقالت:

— ولا يهمك يا مدام، ده واجبي.

الست بصت على الأكل وقالت:

— أنا طلبت منك كمية كبيرة بس بصراحة كنت خايفة تخلصيها كلها لوحدك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *