امي الحقيقيه

حسيت إن سبعة وتلاتين سنة من عمري بيدوبوا وبيختفوا في الهواء أول ما حازم كلمني في التليفون.
​— يا ماما، بكرة متجيش عزومة الغدا مع عيلة ياسمين. عشان أمي الحقيقية هي اللي رايحة.
​وقفت متسمرة جنب ترابيزة المطبخ.
​— أمك الحقيقية؟ أومال أنا أبقى إيه؟
​حازم أخد كام ثانية عقبال ما يرد.
​— حضرتك اللي ربيتي، بس مش أمي بالدم. مش عايز لخبطة قدام حمايا وحماتي. لو سمحتي متجيش.
​وقفل السكة.
​بصيت للشاشة وهي مطفية. أنا اللي عالجت سخونيته، وقفت استنيته قدام باب المدرسة، خيطت هدومه، وسهرت ليالي كاملة جنب سريره. عمر ما بطني جابته، بس على مدار أربع عقود كاملة كنت بناديه “يا ابني”.
​أنا زمان جيت صبية صغيرة من المنصورة على القاهرة، وهناك اتعرفت على عصام المليجي. اتجوزنا وخلفنا بنتين، نهى ومريم.
​بعد خمس سنين، كل حاجة اتكسرت.
​واحدة اسمها رانيا جت لحد باب البيت وأعلنت إنها حامل من عصام.
​جوزي اعترف إنه دخل معاها في علاقة عابرة خلال سفريات شغل. كنت عايزة أمشي، بس كان معايا بنتين صغيرين ومفيش في جيبي قرش صاغ. عصام اتنحى واعتذر، ساب الشرب، ووافق على كل الشروط اللي حطيتها عشان نحاول نلم البيت ونبني جوازنا من جديد.
​رانيا فضلت تطلب فلوس وابتزاز لشهور. ولما الولد اتولد، عملت حركة أغرب من الخيال: سابت العيل لـ عصام واختفت تماماً.سل
​بصيت للطفل من باب الاوضة. في الأول مكنتش شايفه فيه غير خيانة جوزي. بس في فجر يوم من الأيام، العيل قعد يعيط يجي ساعة كاملة. شيلته، فكلبش في بلوزتي بإيده الصغنونة دي.
​ساعتها أخدت قرار.
​— لو العيل ده هيعيش هنا، مش هيكبر وكأنه ابن غلطة —قلت لـ عصام—. هو ملوش ذنب في حاجة.
​سميناه حازم.
​عمر ما فرقت بينه وبين بناتي. وعلى مدار سنين، حازم كان بيناديني “يا ماما”.
​لما تم خمسطاشر سنة، رانيا ظهرت تاني في حياتنا. استنته قدام المدرسة وكشفتله إني مش أمه البيولوجية. حكتله قصة ناقصة وملعوب فيها: قالتله إننا أبعدناها وقفلنا البيت في وشها ومنعناها تقرب منه.
​حازم رجع البيت وهو هيتجنن من الغضب.
​— ليه خدعتوني؟
​— كنا مستنيين نملكك الحقيقة لما تكبر وتستوعبها من غير ما تحس إن حياتك كلها كانت كدبة —شرحتله.
​— بس أنتوا وجعتوني خلاص.
​من يومها، بدأ يناديني “يا ماجدة” لما يغضب. عصام اكتشف إن رانيا كمان بتطلب منه فلوس، فبعدها عنه تاني، بس الخراب كان حصل خلاص.
​حازم كبر، دخل كلية تجارة، ودخل يشتغل في شركة التبريد والتكييف اللي عصام بناها بشقاه. نهى، بنتنا الكبيرة، اتجوزت إبراهيم الشناوي، مهندس محترم ومسكيل شغل تقيل في الشركة. حازم بدأ يشوفه منافس ليه.
​مع السنين بياض قلبه اتمسح وبقى مغرور. كان بيجي متاخر الاجتماعات ويتضايق لما أبوه يشيد بـ إبراهيم. وفي عزومة عائلية، بعد ما شرب زيادة عن اللزوم، اتهم جوز أخته إنه عايز “يسرق” منه الشركة وزقه.
​وقفت في النص.
​— خلاص لحد كده!
​حازم بصلي بغل.
​— طبعاً! طول عمرك بتدافعي عن بناتك. أنا عمري ما كنت ابنك بجد.
​عصام قام وقف.
​— إياك تتكلم بالطريقة دي تاني مع الست اللي فتحتلك بيتها وشالتك لما أمك البيولوجية رمتك ومشت!
​حازم خرج ورزع الباب وراه.
​بعدها بفترة قصيرة، عصام جاله تشخيص بضعف شديد في عضلة القلب. الدكاترة لحقوه وثبتوا حالته، بس كان لازم يقلل مجهود الشغل. وفي الشركة بدأ الكلام يكتر عن مين اللي يمسك الإدارة.
​حازم كان مقتنع تماماً إنه المدير القادم.
​وبعدها أعلن إنه هيتجوز ياسمين، بنت اتعرف عليها من كام شهر بس. في أول زيارة ليها عندنا، سألت بمنتهى البجاحة والتلقائية عن أملاك العيلة واللي “هيطولهم” لما عصام يطلع معاش.
​قبل عزومة الغدا الرسمية مع عيلة ياسمين بأسبوع، شفت حازم واقف يتكلم مع رانيا في جراج عربيات. مسمعتش كل الكلام، بس سمعت جملة واحدة:
​— بكرة هقدمك على إنك أمي. جه الوقت اللي تاخدي فيه مكانك.
​الليلة اللي بعدها على طول جاتلي المكالمة اللي هزتني وخلتني اترعش.
​لما عصام عرف باللي حصل، طلب بناتنا فوراً. هما الاتنين زعلوا وثاورا. أنا بقى قعدت ساكتة.
​— لو هو قرر يمسح سبعة وتلاتين سنة، أنا مش هترجاه يفتكرني.
​عصام مسك إيدي.
​— مش هترجيه ولا هتطلبي منه حاجة. بكرة هنروح كلنا.
​التاني يوم، عيلة ياسمين كانوا متجمعين في مطعم كبير في التجمع الخامس. حازم كان مقعد رانيا على يمينه ومقدمها للكل على إنها أمه.
​وفجأة الباب اتفتح.
​عصام دخل وأنا جمبه. ومن ورانا نهى، مريم، وإبراهيم.
​حازم وقف على حيله.
​— أنتوا بتعملوا إيه هنا؟
​عصام سلم على أهلي ياسمين بهدوء.
​— قبل ما تتكلموا في جواز، أظن من حقكم تتعرفوا على العيلة كاملة.
​شاور عليا.
​— دي مراتي، والست اللي ربت عيالي التلاتة. اتنين خلفهم منها، والتالت اتولد من خيانة مني أنا.
​السكوت نزل على الترابيزة زي الصاعقة.
​— حازم كان حتة لحمة حمرا لما أمه البيولوجية سابته ومشت —عصام كمل وهو ثابث—. ماجدة استقبلته وعمرها ما سمحت لحد يعامله أقل من بناتها.
​رانيا وشها اتخشب وشدت.
​— أنا أمه بالدم.
​بصيتلها وقلت:
​— أنا عمري ما أخدت منك المكان ده. بس أنتِ كمان متقدرش تمسحي مين اللي كان موجود لما كان بيمرض، ويدرس، ويعيط، أو يخاف.
​ياسمين الابتسامة اختفت من على وشها.
​عصام طلع ملف.
​— وبما إن العزومة دي كانت كمان عشان تتكلموا في المستقبل، ففيه حاجة تانية لازم تعرفوها. مستقبل الشركة خلاص اتقرر وحُسم.
حازم بص للملف.
​— ده معناه إيه؟
​— معناه إن الشركة مش هتبقى بتاعتك لمجرد إنك ابني —عصام رد عليه—. فيه مية وأربعين بيت مفتوحين من ورش الشركة دي.
​حازم شاور على إبراهيم.
​— طبعاً! كل ده عشان تسلمهاله هو!
​— فيه لجنة تسليم وإدارة متشكّلة من ست شهور. راجعت النتائج، والقيادة، ورأي رؤساء القطاعات في كل قسم. وإبراهيم اتوصى بيه عشان يمسك العمليات الإدارية والإنفيذية.
​عصام كمل وقال إن القرار ده مكنش وليد الصبحية دي. من كام شهر، حصل عطل كبير وطارئ قطع الخدمة عن أكبر عميل عندنا. حازم لم حاجته ومشي وقال ورديتي خلصت؛ إبراهيم فضل مانامش لحد الفجر مع الفنيين والمهندسين لحد ما أنقذ البضاعة والعميل ممشيش.
​— في اليوم ده أنا فهمت حاجة —عصام قال—. المدير مش هو اللي بيقعد على الكرسي بتاعي. المدير هو اللي بيفضل واقف لما الكل بيبقى محتاج حد يشيل ويسد.
​والد ياسمين بص لـ حازم.
​— أنت قلتلنا إنك هتمسك إدارة الشركة أول ما والدك يطلع معاش.
​حازم مطلعش منه العيب ومردش.
​عصام شرح إن نهى هتمسك الماليّات، وفيه مدراء تانيين هيبقوا أعضاء في المجلس جديد، وحازم هيفضل ليه نسبة وأسهم، بس مش هيمسك السيطرة ولا الإدارة.
​رانيا ثقتها ونفشتها اللي دخلت بيها طارت في ثانية.
​— يا عصام، حرام عليك تعمل فيه كده!
​بصلها وقال:
​— غريبة يعني إن مستقبله فارق معاكي أوي دلوقتي.
​حازم حواحبه اتقفلت.
​عصام حط على الترابيزة صور وفواتير التحويلات.
​— رانيا كانت بتاخد مني فلوس على مدار السنين. كل ما كانت بتظهر، كانت بتطلب حاجة. ولما حازم كان عنده خمسطاشر سنة، أنا دفعتلها فلوس عشان تبعد وتطلعه من الدوامة دي. وده كان غلطتي.. كان المفروض أقوله الحقيقة كاملة من الأول.
​حازم لف ليها بذهول:
​— هي كانت بتاخد منك فلوس؟
​— دي كانت مساعدة يا حازم!
​— أنتِ قلتلي إنك رجعتِ عشان خايفة عليا وعايزة تعوضيني!
​رانيا اتوترت وارتبكت.
​ياسمين دخلت في الكلام:
​— حازم.. أنت قلتلي إن أهلك هما اللي أبعدوا أمك بالقوة!
​حسيت بوجع جديد في قلبي. حازم مكنش بس بايعني ومسحني؛ ده كمان حول الناس اللي ربوه لشياطين وظلمة قدام الناس.
​— محدش أبعدها ولا خدته منها —قلت بصوت ثابت—. هي اللي سابته ومشت.
​— أنا كنت صغيرة وغشيمة! —رانيا صرخت.
​— وأنا كمان كنت صغيرة! —رديت عليها—. كان معايا بنتين صغيرين وجوزي جرحني وخانني. مكنتش مجبورة إني أربي ابن الست اللي جوزي خانني معاها. بس هو كان حتة لحمة حمرا وطفل ملوش أي ذنب.
​حازم وطى رأسه في الأرض.
​عصام سأل رانيا:
​— لو كنتِ ميتة عليه وعايزة ترجعيه، ليه مرجعتيش على مدار خمسطاشر سنة؟
​مردتش.
​— وليه طلبتِ مني فلوس الشهر اللي فات؟
​حازم رفع رأسه بذهول:
​— الشهر اللي فات؟!
​رانيا مسكت شنطتها.
​— أنا مش قعدالكوا هنا اتهان!
​— لا هتردي عليا! —حازم صرخ فيها—. أنتِ قلتِ إنك مش عايزة أي حاجة مني!
​رانيا سكتت تماماً.
​ياسمين قامت وقفت.
​— أنا لازم أمشي.
​حازم حاول يمسكها:
​— ياسمين، استني!
​— الموضوع مش موضوع فلوس يا حازم —قالت له وهي باصة له بقرف—. الموضوع إنك هنت الست اللي شالتك وربتك، وكدبت عليا في كل حاجة تخص عيلتك.
​أهل ياسمين خدوا بنتهم وخرجوا.
​حازم بصلي بغل:
​— مبسوطة كده؟ جيتوا تبوظولي جوازتي وتخربوا بيتي؟
​حبت دموعي بالعافية:
​— لا.. أنت اللي اخترت مين يقعد على ترابيزتك، وإحنا اخترنا إننا منكدبش عشان نحميك تاني.
​رانيا جرت وخرجت ورا الباقيين.
​عصام بص لـ حازم وقال:
​— يوم الاثنين هتسيب منصبك الإداري. لو عايز تفضل في الشركة، هتشتغل بمركزك وبتقييم زيك زي أي موظف هنا.
​— أنت بتعاقبني عشان اخترت أمي؟
​— أنا بحطلك حد عشان فكرت إن الدم بيديك الحق إنك تهين الست اللي ربتك وتورث بالساهل.
​حازم مشي ورزع الباب من غير ما يسلم على حد.
​في الليلة دي، عصام طب ساكت وجاتله أزمة قلبية ونقلوه الطوارئ. لما صحي على الفجر، طلب يتكلم معايا لوحدنا.
​— أوعديني يا ماجدة.. لو أنا جرى لي حاجة، عمرك ما تضحي بعمرك وتيجي على نفسك تاني عشان تمسكي في حد هو اللي قرر يمشي ويبيع.
​— متقولش كده يا عصام..
​مسكت إيده وقبلتها:
​— أوعدك.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *