صاحب الكافيه
لمحة نيوز
فتح له بالوعة.
أما الراجل الغريب
ففضل واقف قدامه، مستني الإجابة.
كأنه كان عارف بالضبط هو بيسأل عن مين.
وكأنه أخيرًا لقى الشخص اللي بيدور عليه من سنين.
سكت كريم.
لثواني، محدش في الكافيه اتحرك.
حتى صوت الملاعق والكوبايات اختفى كأن المكان كله وقف يستنى إجابته.
الراجل الغريب كرر سؤاله
قلت لك اسم نوال عبدالعزيز يفكّرك بحاجة؟
كريم بلع ريقه.
وبعدين قال وهو بيحاول يضحك
معرفش حد بالاسم ده.
الراجل ابتسم ابتسامة باردة.
غريبة.
غريبة ليه؟
عشان أنا من عشر دقايق بس كنت فاكر إنك هتكون أول واحد يفتكرها.
كريم بص له بتوتر.
حضرتك عايز إيه بالظبط؟
الراجل ما ردش.
بدل كده، بص لي وقال
حضرتك اسمك إيه يا حاجة؟
قلت له
أمينة.
أمينة إيه؟
قلت له اسمي بالكامل.
أول ما سمعه، ملامحه اتغيرت.
بصلي فترة طويلة، وبعدها قال
حضرتك مرات الحاج محمود؟
اتخضيت.
أيوه إنت تعرف جوزي؟
قال
أعرفه من أكتر من عشرين سنة.
قلبي دق بسرعة.
مين حضرتك؟
مد إيده وقال
اسمي يحيى. كنت المستشار القانوني لجوز حضرتك في شغله.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
جوزي كان موظف حسابات في شركة كبيرة، وعمره ما حكى لي عن مستشار قانوني ولا عن شغل مهم.
على الأقل ده اللي كنت فاكره.
قلت
بس محمود كان موظف حسابات عادي.
يحيى هز راسه.
هو خلاكي تفتكري كده.
سكت.
الجملة دي خلتني أحس بحاجة غريبة في صدري.
يعني إيه؟
قبل ما يرد، كريم ضرب بإيده على الكاونتر.
يا جماعة، الكلام ده ملوش علاقة بالمكان. لو سمحتوا، اخرجوا برا.
يحيى بص له.
لسه مستعجل؟
كريم ما ردش.
يحيى كمل
أنا استنيت 18 سنة يا كريم.
وش كريم اصفر أكتر.
هنا أنا قلت
18 سنة على إيه؟
يحيى بصلي وقال
على حق جوزك.
خرجنا من الكافيه.
أنا وبندق ويحيى.
ولأول مرة من يوم وفاة محمود، حسيت إن في حد بيتكلم عنه وكأنه لسه موجود.
ركبنا عربية يحيى، وفضلت ساكتة طول الطريق.
كنت خايفة أسأل.
وخايفة أكتر من الإجابة.
وصلنا لمكتب صغير في وسط البلد.
طلع ملف قديم من درج مكتبه.
وحطه قدامي.
على أول ورقة كان اسم جوزي.
محمود عبدالعزيز.
وتحته اسم شركة كنت عمري ما سمعته.
قلت
إيه ده؟
قال
جوزك ما كانش مجرد موظف.
وقلب صفحة.
كان شريك بنسبة 30 في شركة مقاولات.
ضحكت من الصدمة.
محمود؟!
أيوه.
بس إحنا عشنا طول عمرنا في شقة إيجار!
عارف.
وكان بيحسب مصاريف البيت بالجنيه!
يحيى ابتسم بحزن.
لأنه كان فاكر إن الفلوس اللي معاه مش حقه لوحده.
قلب صفحة تانية.
وقال
الشركة كان فيها ثلاثة شركاء. محمود، ورجل اسمه حسن، ورجل ثالث اسمه كريم.
تجمدت.
كريم؟!
أيوه.
صاحب الكافيه؟
نفس الشخص.
بصيت قدامي وأنا مش قادرة أتكلم.
فجأة افتكرت كل مرة محمود كان بيرجع فيها البيت ساكت.
كل مرة كان يقول لي
متقلقيش يا أمينة، في حاجة هتتحل قريب.
وكل مرة كنت أسأله
إنت كويس؟
وكان يرد
أنا كويس بس في ناس لازم تتعلم إن الحق مش بيموت.
يحيى قال
قبل ما الشركة تتقسم، اكتشف محمود إن كريم وحسن كانوا بيزوّروا فواتير وبيسحبوا فلوس من حساب الشركة.
وعمل إيه؟
جمع المستندات.
وبعدين؟
كان ناوي يرفع قضية.
قلت
طب ليه ماعملش؟
يحيى سكت.
وبعدين قال
لأنه مات.
حسيت إن الكلام ضربني في قلبي.
جوزي مات بأزمة قلبية.
عارف.
يعني مفيش علاقة.
يحيى بص في عيني.
رسميًا؟ مفيش.
سكت لحظة.
لكن قبل وفاته بيوم، جوزك سلّمني ملف وقال لي لو حصل لي أي حاجة، ما تفتحوش غير لما تلاقي أمينة وتأكد إنها لوحدها ومش تحت ضغط حد.
بصيت له وأنا مذهولة.
وليه؟
قال
لأنه كان شاكك إن كريم وحسن ممكن يحاولوا يوصلوا للملف.
فتحت الملف بإيد مرتعشة.
كان فيه صور عقود، تحويلات بنكية، إيصالات، وأسماء شركات.
وفي آخر الملف، لقيت ورقة مكتوبة بخط محمود.
عرفت خطه من أول سطر.
أمينة، لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أنا مش موجود.
وقفت عن القراءة.
دموعي نزلت لوحدها.
يحيى قال بهدوء
خدي وقتك.
كملت.
أنا مخبي عنك حاجات كتير، مش عشان مش واثق فيكي بالعكس. كنت خايف لو عرفتي، تبقي في خطر. الفلوس اللي كنتِ فاكرة إنها مش موجودة، موجودة. لكن جزء منها اتسرق، والجزء التاني حطيته في مكان محدش يعرفه غيري.
شهقت.
كملت
لو حصل لي حاجة، متدوريش على الفلوس الأول. دوري على الحقيقة. ولو لقيتي كريم، اسأليه عن نوال عبدالعزيز.
وقفت.
نوال؟
يحيى قال
أيوه.
مين نوال؟
قال
موظفة كانت شغالة في الشركة.
قلبت الصفحة.
كان فيه صورة لست شابة.
لكن اللي صدمني مش صورتها.
اللي صدمني كان اسمها الكامل.
نوال عبدالعزيز.
قلت
هي اللي سألتني عنها؟
أيوه.
ماتت؟
يحيى هز راسه.
لا.
سألته
فين؟
قال
في المستشفى.
في اليوم التالي، أخدني يحيى أنا وبندق للمستشفى.
دخلنا أوضة صغيرة.
كانت ست كبيرة في السن، أضعف مني، وعلى وشها آثار تعب سنين.
أول ما شافتني، عينيها اتملت دموع.
وقالت
أمينة؟
قلت
إنتِ نوال؟
هزت راسها.
وبعدين بصت لبندق.
اتغيرت ملامحها فجأة.
قالت
بندق!
أنا اتجمدت.
إنتِ تعرفي بندق؟
مدت إيدها ناحيته.
وبندق، رغم إنه أعمى، قرب منها فورًا.
شم إيدها.
وبعدين حط راسه على رجلها.
نوال بدأت تعيط.
وقالت
هو لسه عايش
سألتها
كان بتاع مين؟
بصت لي.
كان بتاع جوزك.
قلبي وقف.
محمود؟
هزت راسها.
أيوه.
وبعدين حكت لي الحقيقة.
قبل وفاة محمود بأيام، كان بندق عنده بالفعل.
محمود كان بياخده معاه أحيانًا للمكتب.
ولما بدأ يكتشف التلاعب في الحسابات، بقى يحتفظ بنسخة من بعض الأوراق في شنطة صغيرة.
نوال كانت الوحيدة اللي ساعدته.
لكن كريم اكتشف إنها عرفت الحقيقة.
فطردها من الشركة واتهمها بسرقة مبلغ مالي.
دخلت في قضية واتظلمت، وخسرت شغلها وكل مدخراتها تقريبًا.
أما محمود، فقبل ما يموت بأيام، سلّم بندق لنوال مؤقتًا، وقال لها
لو أنا ما رجعتش، خليه عند أمينة.
لكن نوال،