صاحب الكافيه
صاحب كافيه طردني عشان طلبت فنجان قهوة بس لكن راجل غريب سأله سؤال واحد، خلّى وشه يصفر!
كان عندي 74 سنة، واتعلمت مع الوقت إزاي أعيش على قد إمكانياتي وأحسب كل جنيه قبل ما أصرفه.
جوزي، اللي عشت معاه 46 سنة، كان توفّى من سنة ونص.
ومن ساعتها، معاشي بالعافية مكفّي مصاريف البيت، والفواتير، والأدوية فما بقاش عندي رفاهية إني أصرف فلوس على حاجات مش ضرورية.
لكن من حوالي كام شهر، دخل حياتي بندق.
بندق كان كلب شيه تزو صغير، عنده 14 سنة، وصاحبه القديم كان راجل كبير في السن وتوفّى.
بعد وفاته، بندق دخل ملجأ للحيوانات، وقعد هناك شهور.
محدش كان عايزه.
الناس كانت بتدخل تدور على جرو صغير، لسه نشيط، عينه بتلمع، وشكله يفرّح.
لكن بندق كان عجوز.
كان بيرتعش طول الوقت، عينه بقت مش شايفة، وسنانه كانت ناقصة، ومشيته بطيئة كأنه شايل الدنيا فوق ضهره.
وفي يوم، واحدة من المتطوعات في الملجأ قالتلي
الستات والرجالة كتير بييجوا يتفرجوا عليه، بس أول ما يعرفوا سنه ومشكلته، يمشوا ويسيبوه. الغلبان ده بيعيط كل مرة حد يتعلق بيه وبعدين يسيبه.
بصيت لبندق وقتها.
كان قاعد في ركن لوحده، وبيحرّك ودانه على صوت الناس حواليه، من غير ما يعرف مين داخل ومين خارج.
وقتها حسيت إني فاهمه.
يمكن عشان أنا كمان كنت عارفة يعني إيه البيت يبقى فاضي فجأة.
ويعني إيه تصحى الصبح وتدور بعينيك على شخص كان موجود في كل تفاصيل حياتك وتفتكر إنه مش راجع.
قربت منه، ومديت إيدي.
بندق شم إيدي بهدوء، وبعدها حط راسه عليها.
وقلت للمتطوعة
خلاص أنا هاخده.
ومن اليوم ده، بقى بندق مش مجرد كلب عندي.
بقى صاحبي.
كان بينام جنب رجلي كل ليلة، ويصحى معايا، ولما أتحرك من أوضة لأوضة كان يمشي ورايا على قد ما يقدر.
وبقيت آخده معايا كل مكان أقدر عليه.
هو كان محتاج حد يحسسه إنه لسه مرغوب فيه
وأنا كنت محتاجة حد أرجع البيت ألاقيه مستنيني.
على الأقل، بقينا إحنا الاتنين مش لوحدنا.
في يوم، كان ذكرى مرور 47 سنة على جوازي.
روحت المقابر وحطيت شوية ورد على قبر جوزي.
وقعدت قدامه فترة طويلة.
اتكلمت معاه عن حاجات كتير حصلت من بعده، وعن البيت، وعن الوحدة، وحتى عن بندق.
ضحكت وسط دموعي وقلت
كان نفسي تشوفه يا حاج كنت هتحبه أوي.
قعدت شوية، وبعدها مسحت دموعي وقمت أمشي.
لكن وأنا خارجة من المقابر، حسيت إن رجلي مش شايلاني.
الدنيا بدأت تلف حواليا، ونفسي بقى تقيل.
وقلت لنفسي
لازم أقعد في أي حتة شوية.
على الناصية كان فيه كافيه صغير، ولافتة كبيرة على الباب مكتوب عليها
الحيوانات الأليفة مرحب بيها.
فدخلت.
كان المكان هادي، وفيه كام ترابيزة بس.
قربت من الكاشير وقلت للست اللي واقفة هناك
لو سمحتي، قهوة سادة صغيرة.
بصتلي وقالت
أربعة جنيه وعشرين.
طلعت فلوسي من الشنطة، ولسه هحاسب، لقيت راجل واقف ورا الكاونتر بيبصلي من فوق لتحت.
كان واضح إنه صاحب المكان.
قال بنبرة مستفزة
هو حضرتك هتطلبي قهوة بس؟
بصيت له باستغراب.
أيوه معلش، أنا حاسة بدوخة شوية وعايزة أقعد خمس دقايق وأمشي.
بص على بندق اللي كان واقف جنبي.
وبعدين رجع بصلي.
وقال
لأ، مينفعش.
مينفعش إيه؟
الكلب.
بصيت على اللافتة اللي على الباب.
بس حضرتك كاتب إن الحيوانات مسموح لها تدخل.
ضحك ضحكة صغيرة وقال
مسموح، آه بس مش كده.
يعني إيه مش كده؟
الترابيزة اللي الحيوانات تقعد فيها ليها حد أدنى للطلب. تلاتين جنيه.
اتصدمت.
تلاتين جنيه؟! أنا أصلاً داخلة أشرب قهوة وأقعد شوية عشان دايخة.
رد ببرود
دي سياسة المكان.
بصيت حواليّا، وقلت
طب ليه السياسة دي مش مكتوبة على الباب؟
سكت لحظة.
وبعدين قال
مش لازم أكتب كل حاجة.
في اللحظة دي، لمحت كلب جولدن ريتريفر نايم تحت ترابيزة قريبة.
أشرت له وقلت
أمال الكلب ده؟ هو مش حيوان برضه؟
بص للكلب، وبعدها بص لبندق.
وقال بمنتهى اللامبالاة
الموضوع مختلف.
مختلف إزاي؟
هز كتفه وقال
كلبهم شكله كويس والناس بتحبه. إنما كلبك عجوز وشكله تعبان، وهيخوّف الزباين.
حسيت إن الكلام نزل عليا زي القلم.
بصيت لبندق.
كان واقف جنبي، مش شايف حاجة، بس حاسس إن صوت الراجل عالي.
قربته مني وقلت
هو مش بيأذي حد. ده أصلاً أعمى وعجوز.
رد
وأنا صاحب المكان وأنا اللي أحدد مين يدخل ومين لأ.
وبعدين أشار ناحية الباب.
يا تدفعي التلاتين جنيه يا تاخدي الكلب وتمشي.
قلت له وأنا بحاول أتماسك
أنا مش جاية أطلب صدقة. أنا جاية أشرب قهوة وأقعد خمس دقايق عشان مش قادرة أقف.
قال بمنتهى البرود
يبقى اقعدي في أي حتة تانية.
لمّيت حاجتي بسرعة، وحضنت بندق ناحية صدري.
وأنا بتجه للباب، حسيت بالدنيا بتلف بيا تاني.
وقبل ما أقع، إيد قوية مسكت دراعي.
كان راجل كبير في السن، لابس بدلة شيك، وواضح من شكله إنه مش شخص عادي.
قال لي بقلق
بالراحة يا حاجة حضرتك كويسة؟
حاولت أبتسم.
أيوه بس دوخت شوية.
لكن صاحب الكافيه صرخ من ورا الكاونتر
هي كويسة، يا أستاذ! كانت ماشية أصلاً هي وكلبها.
بص له الراجل الغريب بنظرة طويلة.
وبعدين قال
اسمك إيه؟
صاحب الكافيه اتوتر.
أنا؟!
أيوه إنت.
كريم.
الراجل قرب خطوة.
وبص في وشه كأنه بيحاول يفتكر حاجة.
وبعدين قال بهدوء
كريم إيه؟
صاحب الكافيه قال اسمه بالكامل.
لكن الراجل ما ردش.
فضل ساكت ثواني، وبعدين بص لبندق.
وبعدها رجع بص لصاحب الكافيه.
وفجأة، ملامح وشه اتغيرت.
وقال
قولي يا كريم اسم نوال عبدالعزيز يفكّرك بحاجة؟
في اللحظة دي
وش كريم اتجمّد.
والابتسامة اختفت من على وشه.
والدم انسحب من ملامحه كأن حد