صاحب الكافيه
بعد وفاة محمود، خافت.
ومع ظروفها الصعبة، اضطرت تدي بندق لملجأ الحيوانات.
ومن هناك أنا لقيته.
بصيت لبندق.
وقلت
يعني أنا كنت باخد أمانة من جوزي وأنا معرفش؟
نوال مسحت دموعها.
هو اختارك إنتِ من غير ما تعرفي.
لكن لسه كان فيه سؤال واحد.
قلت
طيب كريم كان بيدور على إيه كل السنين دي؟
يحيى قال
على آخر دليل.
قلت
وإيه هو؟
نوال بصت لبندق.
وبعدين قالت
محمود قال لي إنه خبّى الدليل في حاجة كريم عمره ما هيفكر يدور فيها.
بصينا كلنا لبندق.
أنا ضحكت رغم الموقف.
يعني في الكلب؟
نوال هزت راسها.
مش في الكلب.
مدت إيدها ولمست الطوق القديم اللي حوالين رقبة بندق.
وقالت
في الطوق.
قلعت الطوق بهدوء.
وكان من جوه فيه جزء معدني صغير مخبي.
يحيى أخده.
فتح الجزء المعدني بمفك صغير.
وطلع منه كارت ميموري صغير جدًا.
أنا بصيت له وأنا مش مصدقة.
يحيى قال
محمود كان مسجل كل حاجة.
في نفس اليوم، فتحنا الملفات.
كانت تسجيلات صوتية، صور مستندات، وتحويلات بنكية.
وكان فيه تسجيل واحد بالذات.
صوت محمود.
واضح جدًا.
قال فيه
أنا عرفت كل حاجة. وعندي نسخ من كل التحويلات.
وبعدين صوت كريم.
إنت فاكر إنك لوحدك هتقدر تعمل حاجة؟
صوت محمود رد
مش لوحدي.
كريم قال
إنت عارف إن اللي بيتكلم كتير بيختفي.
سكت التسجيل.
أنا قعدت من غير ما أتكلم.
يحيى قال
التسجيل ده كفاية يفتح القضية من جديد.
وفعلًا
بعد أيام، بدأت الإجراءات القانونية.
كريم حاول ينكر.
لكن المستندات كانت موجودة.
التسجيلات موجودة.
نوال شهدت.
ويحيى كان عنده كل الأوراق الأصلية.
والأهم
التحويلات المالية أثبتت إن ملايين الجنيهات اتنقلت لحسابات مرتبطة بكريم وحسن.
القضية اللي اتقفلت من سنين رجعت تاني.
كريم اضطر يبيع الكافيه، وبعدها صدر ضده حكم في القضية.
أما حسن، فكان سافر بره مصر من سنين، لكن السلطات بدأت إجراءات قانونية لاسترداد الأموال وملاحقته.
وبعد شهور طويلة
رجع جزء كبير من فلوس محمود.
مش كل الفلوس.
لكن جزء كفاية يغير حياتي.
أما أنا؟
ما اشتريتش عربية.
ولا نقلت لفيلا.
ولا بدأت أصرف فلوس بجنون.
عملت حاجة واحدة.
اشتريت البيت اللي عشت فيه مع محمود.
نفس البيت اللي كنا بنحسب فيه كل فاتورة.
نفس البلكونة اللي كان بيقعد فيها بعد الشغل.
ونفس الكرسي اللي كان بيقعد عليه كل يوم وهو بيشرب الشاي.
لكن المرة دي
ما بقاش البيت باسمه.
بقى باسمي أنا.
وعملت حاجة تانية.
استأجرت محل صغير في شارع هادي، وحولته لمكان بسيط لرعاية الحيوانات الكبيرة واللي محدش عايزهم.
الكلاب والقطط العجوزة.
الحيوانات اللي الناس بتسيبها لما تكبر.
وسميته
بيت بندق.
نوال كانت بتيجي تساعدني يومين في الأسبوع.
ويحيى كان بيتولى الأوراق القانونية بالمجان.
أما بندق
ففضل عايش معايا.
سنوات زيادة عن اللي أي حد كان متوقعه.
وبقى مشهور في المنطقة.
كل الأطفال كانوا عارفينه.
وكانوا بييجوا يقعدوا جنبه حتى وهو نايم.
وبعد حوالي سنة، كنت واقفة قدام باب بيت بندق، وبحط طبق أكل لكلاب الشارع.
فجأة سمعت صوت راجل بيقول
هو المكان ده بتاعك؟
لفيت.
لقيت شاب صغير واقف ومعاه كلب عجوز.
قال
صاحبه مات، وأنا مش قادر أصرف عليه.
بصيت للكلب.
وبعدين ابتسمت.
قلت
سيبه هنا.
قال
حضرتك متأكدة؟
قلت
أنا عارفة يعني إيه حد يسيبك عشان كبرت.
دخل الشاب وهو بيعيط.
أما أنا، فدخلت الكلب الجديد لجوه.
وبندق كان نايم في سريره.
قعدت جنبه، وحطيت إيدي على راسه.
وقلت له
فاكر أول يوم قابلتك فيه؟
بندق حرّك ودانه.
ضحكت.
كنت أعمى ومحدش عايزك.
وبعدين قربت منه وقلت
وأنا كنت لوحدي ومحدش واخد باله إني أنا كمان كنت محتاجة حد.
بعدها بفترة قصيرة، بندق مات بهدوء وهو نايم جنبي.
دفنته في حديقة صغيرة خلف البيت.
وحطيت على قبره لوحة بسيطة مكتوب عليها
هنا بندق
كلب صغير، لكنه أنقذ قلب ست كبيرة من الوحدة وكشف سر خبّاه ناس سنين.
وفي يوم افتتاح المكان رسميًا، وقفت قدام عشرات الناس.
كان فيه أطفال، ومتطوعين، ونوال، ويحيى.
وبصيت للوحة.
وفكرت في اليوم اللي دخلت فيه الكافيه وأنا دايخة، وماكانش معايا غير تمن فنجان قهوة.
وقتها صاحب المكان بص لبندق وقال إنه مش مناسب للزبائن.
ما كانش يعرف إن الكلب اللي اعتبره عبء
هو نفسه كان آخر خيط وصل للحقيقة.
وما كانش يعرف إن الست اللي طردها من مكانه
كانت صاحبة حق أكبر بكتير من تمن القهوة اللي رفض يقبلها.
وأحيانًا
أغرب الحكايات بتبدأ من أبسط حاجة.
فنجان قهوة.
وكلب عجوز.
ورجل قال لست كبيرة
خدي كلبك وامشي.
وهو ما كانش يعرف إن الكلب ده
هو اللي هيخليه يخسر كل حاجة أخفاها لمدة 18 سنة.