لما حفيدي
لمّا حفيدي اللي عنده خمس سنين لمس مناخيري بصباعه المبلول وأنا بحمّمه، وبصلي ببراءة وقال
بابا بيقول إن لما تموتي، كل فلوسك هتبقى بتاعتنا.
اتجمدت مكاني.
وفي نفس الليلة، فتحت حسابي البنكي أراجع فلوسي فاكتشفت إن فيه أكتر من 180 ألف جنيه اتسحبوا في عمليات أنا ماعملتهاش، ولا وافقت عليها.
ماعملتش مشكلة.
ماواجهتش حد.
اشتريت تذكرة رجوع للقاهرة وقررت أستنى وأشوف هما ناويين يوصلوا لإيه.
الجزء الأول
أمك موفّرة علينا مربية وخدامة في نفس الوقت.
سمعت جوز بنتي بيقول الجملة دي الساعة تلاتة الفجر، بعد ما كنت لسه مكملة خمس أيام بس من يوم ما سبت بيتي ومشروعي وحياتي في مصر، وسافرت لحد إسكندرية عشان بنتي فضلت تترجاني أروح أساعدها.
اسمي نادية عبد الرحمن، عندي 62 سنة، واتعلمت بدري جدًا إن محدش هييجي ينقذك من الدنيا.
جوزي مات وأنا بنتي مريم لسه عندها أربع سنين.
شهور طويلة عشت فيها بالعافية. كنت ببيع زرع في الأسواق، وأعمل تنسيقات ورد للأفراح والمناسبات، وأمسك أي شغلانة تيجي قدامي عشان أوفر أكل اليوم.
وبعد سنين من الشقى، قدرت أعمل مشروعي الصغير.
بدأته من شوية أصص زرع قدام البيت، لحد ما بقى عندي مشتل كبير في أطراف طنطا، فيه أشجار فاكهة وورد ونباتات زينة.
اشتريت قطعة أرض واسعة، وبنيت بيت صغير وسط الزرع، لدرجة إن ريحة الياسمين كانت بتملأ المكان بعد
كل مطرة.
مريم كبرت وهي شايفة كل ده بعينيها.
وكنت دايمًا أقول لها
يا بنتي، إنك تحبي حد مش معناه إنك تشيلي الدنيا كلها فوق دماغك عشانه. كل واحد لازم يتعلم يقف على رجليه.
ولما مريم اتجوزت شريف، راجل شكله محترم، كلامه حلو، وبيعرف يدخل للقلب بسرعة، كنت مبسوطة إنها لقت حد يسندها.
بس من أول قعدة عائلية بعد الجواز، بدأت آخد بالي من حاجة غريبة.
شريف كان بيسأل أسئلة كتير أوي عن شغلي.
المشتل مساحته قد إيه؟
الأرض باسمي ولا لأ؟
عندي حسابات في البنك؟
ومريم هي البنت الوحيدة؟
وقتها حسيت إن أسئلته زيادة عن اللزوم لكن سكت.
قلت لنفسي
يمكن فضول.
عدت السنين، ومريم وشريف نقلوا يعيشوا في إسكندرية.
ولما اتولد آدم، حفيدي الوحيد، بقيت كل عيد ميلاد وكل مناسبة أبعت لهم فلوس أو هدايا، ولو احتاجوا حاجة أساعدهم من غير ما أستنى منهم طلب.
وفي مرة مريم قالتلي
ماما، سيبي معايا كارت الحساب ده للطوارئ. لو حصل حاجة وأنا محتاجاك، أبقى أتصرف بسرعة بدل ما كل شوية أتصل بيكي.
وافقت.
ماحطتش حدود.
وماعملتش حساب لكل جنيه.
أنا كنت شايفة إن دي بنتي
وإني لو مش هقف جنبها، هقف جنب مين؟
لحد ما جت المكالمة اللي قلبت كل حاجة.
مريم ظهرت قدامي في مكالمة فيديو، وشكلها كان مرهق جدًا. عينيها تحتها هالات، وشعرها مرفوع بعشوائية، وصوتها كان على وشك ينهار.
ماما أنا خلاص مش قادرة.
سكتُّ.
فكملت وهي بتعيط
شريف طول اليوم في الشغل، وآدم بهدلني، والبيت مابيلحقش يتنضف أنا محتاجاكي معايا. تعالي كام شهر بس. والله إنتِ الوحيدة اللي ليا.
ماقدرتش أقول لها لأ.
بعد أسبوعين كنت راكبة القطر ومعايا تلات شنط كبار، مليانين حاجات من عندنا ملوخية ناشفة، جبنة، حلويات، عسل، وحتى شوية شتلات صغيرة من المشتل كنت ناوية أزرعها هناك.
أول ما وصلت، مريم استقبلتني لوحدها.
سألتها
هو شريف فين؟
قالت بسرعة
عنده شغل.
دخلت البيت وبصيت حواليّ.
البيت كان كبير بشكل خلاني أستغرب.
دورين، جراج واسع، وعربية جديدة مركونة قدام البيت.
استغربت أكتر، لأن مريم طول الوقت كانت بتشتكيلي إنهم غرقانين في المصاريف ومش عارفين يدبروا أمورهم.
عدت أول ليلة وأنا مبسوطة إني أخيرًا هساعد بنتي.
عملت لهم غدا من الأكل اللي بيحبوه، وآدم كان مبسوط جدًا وقعد ياكل ويضحك.
أما شريف، فداق لقمتين وبعدين قال
أنا مبكلش الأكل ده أنا عامل دايت ومظبط سعراتي.
بصيتله وسكت.
قلت يمكن فعلًا نظام غذائي.
لكن في اليوم الخامس، مريم دخلت عليا وهي ماسكة ورقة.
وقالت
ماما، دي بس عشان ننظم اليوم.
أخدت الورقة منها.
ولما قريتها، حسيت إن دمي نشف في عروقي.
كان مكتوب
جدول مساعدة ماما.
الساعة سبعة الصبح تحضير الفطار.
بعدها تجهيز آدم للمدرسة وتوصيله.
بعدها غسيل.
وبعدين نشر هدوم.
وكي.
وتنضيف البيت.
وطبخ.
ومشتريات البيت.
والاهتمام بالجنينة.
وبصيت لمريم وقلت
هو فين يوم راحتي؟
ضحكت ضحكة صغيرة متوترة وقالت
يا ماما ماتكبريش الموضوع إنتِ جاية تساعدينا.
بصيت لها شوية.
تساعدينا؟
أنا سبت بيتي وشغلي وحياتي كلها وجيت عشان بنتي قالت إنها محتاجاني
ودلوقتي بقى عندي جدول شغل؟
ماعلقتش.
دخلت أوضتي بدري وأنا مخنوقة، لكن حاولت أنسى.
لحد ما صحيت بالليل عطشانة.
بصيت في الساعة.
كانت تلاتة الفجر.
نزلت على أطراف صوابعي عشان أشرب مية، وأنا لسه نازلة السلم سمعت صوت مريم وشريف من الصالة.
وقفت مكاني.
كانوا بيتكلموا بصوت واطي.
شريف قال
بصي يا مريم، احسبيها صح. لو جبنا واحدة تشتغل في البيت، وواحدة تقعد مع آدم، هنطلع بندفع مبلغ محترم كل شهر.
مريم سكتت.
فكمل
أمك بتعمل الاتنين ببلاش. بتطبخ، بتنضف، بتاخد الولد، وبتعمل كل حاجة.
وبعدين ضحك وقال
وفوق كل ده عندها فلوس.
حسيت بإيدي بتشد على سور السلم من غير ما أحس.
لكن الكلام اللي بعده كان أسوأ.
قال
وبعدين إنتِ بنتها الوحيدة. يعني في الآخر البيت، والمشتل، والأرض كل ده هيبقى ليكي.
سكت لحظة، وبعدين قال
يبقى الأحسن كل حاجة تفضل جوه العيلة.
كنت واقفة على السلم، مش قادرة أتحرك.
نفسي اتقطع.
لكن أكتر حاجة وجعتني ماكنتش كلام شريف.
اللي وجعني إن مريم ماقالتش له حاجة.
ماقالتش
دي أمي.
ماقالتش
احترمها.
ماقالتش حتى
إنت بتتكلم عنها كأنها خدامة.
فضلت ساكتة.
وسكوتها كان أوجع من كلامه كله.
رجعت أوضتي من غير ما يحسوا بيا.
وقعدت على
لمحة نيوز