بعد فرحنا بيومين حكايات توتا

دول فضلوا عايشين جوايا لمدة 56 سنة.
وبعد فترة، اتسجل أحمد رسميًا باعتباره متوفى على الأرجح.
بس أنا عمري ما كان عندي جنازة أقف فيها جنب تابوته.
مفيش قبر.
مفيش مكان أروح أحط فيه ورد.
كان عندي بس شوية أوراق رسمية بتقول إن الراجل اللي اتجوزته غالبًا مات أثناء مهمة سرية محدش كان مسموح له يعرف تفاصيلها.
الناس حاولت تساعدني أكمّل حياتي.
كانوا بيقولولي
إنتِ لسه صغيرة.
مينفعش تفضلي مستنية واحد ممكن ما يرجعش أبدًا.
أكيد في يوم هتقابلي راجل تاني.
وهتحبي تاني.
لكن ده ما حصلش.
مش عشان مفيش حد اهتم بيا.
على مدار السنين، قابلت رجالة كويسين.
محترمين.
وكان ممكن بعضهم يبقوا أزواج رائعين.
بس أنا ببساطة مقدرتش أتخيل إني أدي لقب جوزي لأي حد تاني.
أحمد كان جوزي لمدة يومين بس.
ومع ذلك
اليومين دول فضلوا معايا طول عمري.
فعشت لوحدي.
السنين عدت.
وبعدها العقود.
وكل اللي حواليا في النهاية اقتنعوا إن أحمد مات.
لكن جوايا، كان لسه فيه جزء صغير من البنت اللي كانت في العشرينات يوم فرحها
ما بطلش يستنى.
النهارده كان المفروض يبقى عيد جوازنا ال.
كل سنة، في اليوم ده، كنت بطلع صورنا القديمة وأقعد أتفرج عليها.
أحمد ببدلته.
أحمد وهو متسند على عربية أبويا.
أحمد واقف جنب تورتة فرحنا اللي كانت ميلة شوية.
وأحمد وهو بيبصلي بنظرة كأن فكرة إننا ممكن نفترق يومًا ما كانت عمرها ما خطرت على باله.
الصبح بدأ زي كل سنة بالظبط.
عملت قهوتي.
طلعت ألبوم صور فرحنا من الدولاب.
وقعدت على ترابيزة المطبخ أقلب في صور اليومين الوحيدين اللي عشتهم بجد كزوجة لحد.
وفجأة
حد خبط على باب البيت.
أنا مكنتش مستنية حد.
لما فتحت الباب، لقيت عامل توصيل واقف قدامي وشايل بوكيه ضخم جدًا.
ورد أصفر.
ورد كتير لدرجة إنه كان تقريبًا مش شايف من ورا البوكيه.
لثواني، مقدرتش أنطق.
نفسي اتقطع.
ورد أصفر.
نفس الورد اللي أحمد وعدني يبعتلي منه في أول عيد جواز لينا.
عامل التوصيل بص للجواب وقال
مريم؟
بلعت ريقي وقلت
أيوه.
قال
الورد ده ليكي.
أخدت البوكيه بإيدين بتترعش، ودخلت بيه جوه البيت.
أكيد فيه تفسير منطقي.
يمكن حد من عيلتي افتكر الحكاية.
يمكن صاحب قديم لأحمد حب يعمل معايا حاجة لطيفة.
يمكن مجرد لفتة في ذكرى جوازنا من شخص عارف اليوم ده معناه إيه بالنسبالي.
لكن بعدها
لاحظت ظرف صغير مستخبي بين الورد.
اسمي كان مكتوب عليه.
مريم.
فضلت أبص للخط.
كان فيه حاجة غريبة
حاجة مألوفة بشكل يخوف.
وده كان مستحيل.
ومع ذلك، بطني اتقبضت وأنا ببص على كل حرف.
قعدت على الكرسي قبل ما أفتح الظرف
لأني فجأة حسيت إن رجلي مش شايلاني.
فتحت الظرف.
وكان جواه جواب صغير.
لكن أول كلمة فيه
خلّت نفسي يتوقف.
كانت مكتوبة
حبيبتي إنتِ ما تعرفيش أنا اضطريت أختفي ليه.
الفصل الأول جواب بعد 56 سنة
فضلت ماسكة الجواب بين صوابعي، ومش قادرة أفتح باقيه.
كنت ببص على كلمة حبيبتي كأني شايفة أحمد واقف قدامي وبيكتبها بإيده.
نفس طريقة الكتابة.
نفس الميل البسيط في حرف الياء.
حتى النقطة الصغيرة اللي كان بيحطها بعد اسمه بشكل غريب.
أنا عشت 56 سنة وأنا بحاول أقنع نفسي إن الإنسان ممكن يفضل متعلق بذكرى من غير ما يكون مستني عودة حقيقية.
لكن في اللحظة دي
كل السنين وقعت فوق بعضها.
بقيت البنت اللي عندها عشرين سنة.
قاعدة قدام جوزها في صباح سفره.
لابسة الفستان البيتي الأزرق اللي كان بيحبه.
وشعرها مربوط ورا ضهرها.
وأحمد بيقول
ما تقلقيش يا مريم كام أسبوع وهكون عندك.
إيدي بدأت ترتعش.
حطيت الجواب على الترابيزة، وقومت أتمشى في الصالة.
كنت خايفة أقرأ.
وخايفة أكتر إني ما أقرأش.
في النهاية رجعت وقعدت.
فتحت الورقة.
وكان مكتوب
حبيبتي مريم
إنتِ ما تعرفيش أنا اضطريت أختفي ليه.
وأنا عارف إن الكلام ده جاي متأخر بشكل ما يتصدقش.
56 سنة كاملة.
عارف إنك هتسألي نفسك ليه بعتلك دلوقتي؟
وليه استنيت كل السنين دي؟
وليه سيبتك لوحدك؟
قبل ما تكرهي أحمد اللي في ذاكرتك، لازم تعرفي إن الراجل اللي سافر يومها كان عايز يرجعلك أكتر من أي حد.
لكن اللي حصل بعد السفر خرج عن سيطرتي.
أنا ما متش يا مريم.
وما نسيتكيش.
ولا يوم واحد.
ولو الورد الأصفر وصل لبابك النهارده، فده معناه إن الوقت جه تعرفي الحقيقة كاملة.
بس قبل ما أقولك كل حاجة
لازم تقابلي شخص واحد.
اسمه كريم.
ولو كريم لسه عايش، هتعرفي منه ليه كل الناس افتكرت إني مت.
ولو مات
هتلاقي عند ابنته الحاجة اللي كنت مخبيها عنك طول السنين.
متخافيش.
أنا مش بطلب منك تسامحيني.
أنا بس بطلب منك تسمعيني للآخر.
أحمد.
وقعت الورقة من إيدي.
كريم.
نفس الاسم اللي سمعته قبل 56 سنة.
نفس الراجل اللي دخل بيت أهلي وشكله كأنه شايل جبل فوق كتفه.
نفس الراجل اللي قال لي
أنا آسف مش عارف إزاي أحمد ممكن يكون نجا.
قمت بسرعة لدرجة إن الكرسي اتزحلق ورايا.
كريم كان آخر شخص شفته مرتبط بأحمد.
ولو أحمد كتب اسمه بعد 56 سنة
يبقى أكيد الموضوع أكبر من مجرد رسالة.
دخلت أوضة النوم وفتحت الدولاب.
طلعت صندوق خشب صغير.
الصندوق ده ما فتحتهوش من سنين.
كان فيه حاجات قليلة جدًا من أيام أحمد.
ساعة قديمة.
منديل أبيض كان عليه أول حرف من اسمه.
صورتين.
وخاتم صغير كان أحمد بيقول إنه هدية مؤقتة لحد ما يجيبلي خاتم أحسن.
ابتسمت غصب عني وأنا ماسكاه.
طلع مؤقت فعلًا يا أحمد.
دموعي نزلت.
بس المرة دي ما كانتش دموع حزن بس.
كان فيها حاجة تانية.
حاجة شبه الغضب.
بعد 56 سنة
عايزني أعرف الحقيقة؟
طيب.
هعرفها.
لبست بسرعة، وخدت الجواب معايا.
أول حاجة عملتها إني اتصلت بأخويا الأصغر.
لكن أخويا توفى من سنين.
ولما استوعبت الحقيقة دي، قعدت على السرير وسكت.
كل الناس اللي كانوا يعرفوا أحمد تقريبًا رحلوا.
الزمن أخدهم واحد ورا التاني.
لكن كريم
لو كان عايش، يبقى لازم ألاقيه.
فتحت دفتر قديم كنت محتفظة فيه بأرقام العيلة والأصدقاء.
قلبت الصفحات.
وفي آخر صفحة تقريبًا لقيت
كريم عبدالعزيز شارع جسر السويس.
الرقم كان قديم.
أكيد اتغير.
لكن العنوان كان بداية.
نزلت من البيت وروحت للعنوان.
البيت كان لسه موجود.
قديم.
لكن متجدد من بره.
خبطت.
فتحت لي ست في أواخر الخمسينات.
بصتلي باستغراب.
قلت
لو سمحتي هنا كان ساكن الأستاذ كريم عبدالعزيز؟
وشها اتغير.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
حضرتك تعرفيه؟
قلبي دق بعنف.
أيوه.
قالت
ده والدي.
اتجمدت مكاني.
والدك؟
هزت راسها.
أيوه. بس للأسف توفى من سبع سنين.
غمضت عيني.
رجعت متأخرة.
كالعادة.
حتى كريم
راح.
لكن البنت فضلت باصة لي.
وقالت
حضرتك مين؟
اترددت.
وبعدين قلت
أنا مريم.
وشها شحب.
سألتني
مريم مريم أحمد؟
أنا ما رديتش.
هي فتحت الباب أكتر.
اتفضلي.
دخلت.
قعدنا في صالة مليانة صور قديمة.
وبمجرد ما عيني وقعت على صورة معلقة على الحائط
اتحبست أنفاسي.
الصورة كانت لأربعة شباب واقفين جنب عربية قديمة.
أحمد.
كريم.
ورجلين ما أعرفهمش.
أشرت للصورة.
إيه دي؟
قالت
أبويا كان بيقول إن الصورة دي من آخر مرة شاف فيها أحمد.
بصيت لها.
آخر مرة؟
سكتت.
وبعدين قالت
بس أنا عارفة إن أبويا كان بيخبي حاجة عنك.
حسيت إني مش سامعة كويس.
يعني إيه؟
قالت
أبويا كان بيكتب مذكراته.
قربت مني.
وقبل ما يموت، سلمني صندوق وقال لي لو مريم أحمد ظهرت في يوم اديهولها.
نفسي اتقطع.
الصندوق فين؟
بصتلي طويلًا.
وبعدين قامت.
دخلت أوضة داخلية.
رجعت بعد دقائق شايلة صندوق معدني قديم.
حطته قدامي.
الصندوق كان عليه قفل.
طلعت مفتاح من سلسلة في رقبتها.
وقالت
ده المفتاح اللي سابهولي.
فتحت القفل.
وأول ما الغطا اتفتح
لقيت مجموعة أوراق.
وفوقهم صورة.
صورة أحمد.
بس مش صورة فرحنا.
ولا صورة قديمة عادية.
كان أحمد واقف قدام مبنى غريب، لابس بدلة رسمية، وشكله أكبر شوية من يوم
لمحة نيوز

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *