بعد فرحنا بيومين حكايات توتا
كانش يعرف مكانه الحقيقي.
كان بيتواصل معاه برسائل مشفرة عن طريق أشخاص محددين.
لكن بعد محاولة اغتيال حصلت لكريم…
قطع أحمد الاتصال تمامًا.
وقال
كنت عارف إن أي خطوة مني ممكن تقتل كريم أو تقتلك.
قلت
وكان لازم تقرر لوحدك إني أعيش من غيرك؟
سكت.
قلت
كان ممكن تستناني.
قال
كنتي هتستني؟
ضحكت بمرارة.
أهو استنيتك ستة وخمسين سنة.
عينه لمعت بالدموع.
عشان كده أنا هنا.
سألته
وإيه اللي حصل في 2024؟
قال
انتهت الحماية.
وليه ما جيتش ساعتها؟
سكت.
وبعدين قال
خوفت.
اتصدمت.
إنت؟
ابتسم بحزن.
أيوه.
خوفت من إيه؟
قال
خوفت ألاقيكي اتجوزتي.
قلبي وجعني.
كنت هتعمل إيه لو لقيتني متجوزة؟
رد بعد لحظة
كنت همشي.
من غير ما تقوللي؟
أيوه.
ليه؟
قال
عشان أنا اخترت حياتك من زمان… حتى لو ده معناه إني مش هكون جزء منها.
سكت.
وبعدين مد إيده في جيبه.
طلع حاجة صغيرة.
خاتم زواجنا.
نفس الخاتم.
اللي كنت فاكرة إنه ضاع.
حطه قدامي.
ده كان معايا يوم خرجت.
بصيت للخاتم.
قلت
وإنت محتفظ بيه كل السنين دي؟
قال
ما قدرتش أخلعه.
الفصل التالت الحقيقة اللي اتأخرت 56 سنة
تاني يوم، صحيت لقيت أحمد قاعد في البلكونة.
كان ماسك فنجان القهوة.
نفس الطريقة اللي كان بيشرب بيها القهوة زمان.
وقفت وراه.
قلت
لسه بتحبها سادة؟
لف وبصلي.
ابتسم.
ولسه إنتِ بتحطي سكر زيادة.
قلت
أنا بطلت أشربها بسكر من زمان.
قال
لأ.
ضحكت.
إزاي عرفت؟
قال
كنت بسأل كريم عنك.
وقتها سكت.
كنت بتسأل كريم عني؟
كل سنة.
طول السنين دي؟
هز راسه.
كل سنة في عيد جوازنا.
بصيت للشارع.
وقلت
كنت بتسألني عن إيه؟
قال
عايشة؟
بس؟
سعيدة؟
سكت.
قال
اتجوزتي؟
بصيتله.
وكنت بتتمنى أقول إيه؟
نزل عينه.
كنت بتمنى تكوني سعيدة… حتى لو بعيد عني.
قلت
بس أنا ما كنتش سعيدة.
سكت.
قلت
بس كنت عايشة.
ابتسم بحزن.
وده كان كل اللي بطلبه.
في الأيام اللي بعدها، أحمد فضل عندي.
مش كزوج رجع بعد 56 سنة.
ولا كغريب.
كان شيء بين الاتنين.
كنا بنتعلم بعض من جديد.
هو اتغير.
وأنا اتغيرت.
كنت فاكرة إني أعرفه.
لكن اكتشفت إني أعرف أحمد بتاع 1970 بس.
أما الراجل اللي قدامي…
فكان عنده ستة وخمسين سنة من الذكريات اللي أنا ما عشتهاش.
في يوم، سألته
عمرك حبيت حد؟
سكت.
بصلي.
وقال
السؤال ده كان لازم تسأليه؟
قلت
أيوه.
رد
لأ.
اتنفست.
متأكد؟
قال
طول عمري كنت متجوزك.
ضحكت.
حتى وإنت بعيد؟
خصوصًا وأنا بعيد.
الكلمة دي وجعتني.
مش لأنها رومانسية.
لكن لأنها خلتني أفهم قد إيه الوقت ممكن يظلم اتنين بيحبوا بعض.
بعد أسبوع، جالنا ظرف.
مرسل من عنوان مجهول.
جواه ورقة
الملف الأصلي موجود.
والشخص الوحيد اللي يقدر يقفل القضية هو أحمد.
بصيتله.
قال
كنت عارف إن ده هيحصل.
يعني إيه؟
فيه نسخة أخيرة من الملف معايا.
طلع من شنطته مجموعة أوراق.
دي الأسماء الأصلية.
طب ليه احتفظت بيها؟
عشان لو في يوم رجعت، أقدر أثبت إني ما اختفيتش بإرادتي.
لكن المفاجأة كانت في آخر صفحة.
اسم الشخص اللي خان المجموعة.
أنا أعرف الاسم.
كان اسم رجل كبير كان معروف وقتها في مجال التجارة.
وكان والد واحد من رجال الأعمال الموجودين حاليًا.
لكن الرجل نفسه مات من سنين.
يعني القضية قديمة.
ومع ذلك…
كان فيه حد بيحاول يخلص على آخر الأدلة.
أحمد قال
الشخص اللي بعت الرسالة مش عايز يقتلني.
أمال عايز إيه؟
عايز الملف.
وليه؟
عشان فيه أسماء لأشخاص لسه عندهم مصالح مرتبطة بالشبكة القديمة.
سألته
ونعمل إيه؟
بصلي.
المرة دي مش هختفي.
اتصل أحمد بالجهة المختصة وسلمهم كل المستندات.
ولأول مرة بعد 56 سنة…
اتفتح الملف رسميًا.
كريم، رغم إنه مات، كان سايب شهادته.
وأحمد كان عنده أدلة.
المستندات اتراجعت.
والحقيقة ظهرت.
أحمد لم يمت في المهمة.
كان ناجيًا تحت حماية سرية.
وتأكد إن اختفاؤه كان مرتبطًا بتهديدات حقيقية.
الأهم…
تم إثبات إن خبر وفاته كان جزءًا من عملية إخفاء هويته.
أنا كنت أول واحدة تشوف التقرير النهائي.
قريته كله.
وبعدين قفلته.
بصيت لأحمد.
قلت
يعني كل السنين دي…
كانت حقيقية.
وإنت كنت عايش.
أيوه.
وأنا كنت لوحدي.
سكت.
أيوه.
قلت
عمري ما هقدر أنسى ده.
قال
ولا أنا طالب منك تنسي.
وبعدين مد إيده.
أنا بس طالب منك تديني فرصة أعيش معاكي اللي باقي.
بصيت لإيده.
كانت إيد رجل عجوز.
لكن في خيالي شفت إيد الشاب اللي مسك إيدي يوم فرحنا.
حطيت إيدي في إيده.
وقلت
فرصة… مش غفران.
ابتسم.
أقبل.
في آخر الشهر، رجعنا بيت أهلي القديم.
المكان كان شبه مهجور.
لكن الشرفة لسه موجودة.
نفس الشرفة اللي وقفنا فيها بعد فرحنا.
أحمد بص للمكان.
وقال
فاكرة أول ليلة؟
قلت
فاكرة.
كنتي خايفة.
كنت مستنية اليوم اللي هنبقى فيه لوحدنا.
ابتسم.
وأنا كنت مستعجل أسافر.
بصيتله.
ما تضحكش.
مش بضحك.
سكت شوية.
وقال
لو كان بإيدي أرجع الزمن…
قلت
ما كنتش هتسافر؟
هز راسه.
كنت هسافر.
اتصدمت.
قال
بس كنت هقولك الحقيقة.
بصيتله.
حتى لو كان تمنها إنك تخاطر بيا؟
قال
كنت هسيب القرار ليكي.
سكت.
ودي كانت أول مرة أحس إنه فهم فعلًا غلطته.
مش إنه اختفى.
لكن إنه قرر نيابة عني.
الفصل الرابع أكبر بوكيه ورد أصفر
عدى شهر.
وبدأت حياتنا تاخد شكل غريب.
أنا وأحمد كنا بنفطر سوا.
نتخانق على حاجات تافهة.
هو ينسى الدوا.
وأنا أزعقله.
هو يقول إني بقيت عصبية.
وأنا أقوله إنه هو اللي بقى عنيد.
وبالليل…
كان بيحكيلي عن البلاد اللي عاش فيها.
وأنا أحكيله عن كل حاجة حصلتلي في السنين اللي غابها.
حكيتله عن أمي وأبويا لما ماتوا.
عن كريم لما كان بيزورني.
عن الأعياد اللي عدت.
عن أول مرة شفت بنت صغيرة شبهه في الشارع وفضلت أبصلها.
عن كل عيد جواز كنت بفتحه فيه ألبومنا.
كان بيسمع.
من غير ما يقاطعني.
وفي يوم قلتله
أحمد.
نعم؟
أنا زعلانة منك.
عارف.
ولسه زعلانة.
عارف.
ويمكن أفضل زعلانة فترة.
ابتسم.
خدّي وقتك.
قلت
بس…
سكت.
بس إيه؟
بصيتله.
متختفيش تاني.
دموعه نزلت.
وقال
مستحيل.
في عيد ميلادي، صحيت بدري.
لقيت البيت كله مليان ورد أصفر.
على الترابيزة.
في الممر.
جنب السرير.
حتى البلكونة.
دخل أحمد وهو شايل بوكيه ضخم.
ضحكت.
إيه ده؟
قال
وعد قديم.
قلت
ده مش عيد جوازنا.
قال
عارف.
أمال؟
قرب.
وقال
أنا ضيعت عليكِ أعياد كتير.
وحط البوكيه قدامي.
فهعوض اللي أقدر عليه.
ضحكت وأنا بعيط.
وبعدين قال
بس فيه حاجة تانية.
طلع ظرف.
فتحته.
جواه ورقة.
كانت نفس الورقة اللي كتبها قبل سنين.
في أول عيد جواز لينا، هبعتلك أكبر بوكيه ورد أصفر ألاقيه.
بصيتله.
قلت
إنت احتفظت بيها؟
أيوه.
ستة وخمسين سنة؟
ستة وخمسين سنة.
قلت
إنت عارف إن الوعد ده اتأخر أوي؟
قال
عارف.
أوي.
بس وصلت.
بصيت للورد.
وبعدين بصيتله.
أيوه.
بعد سنة من رجوعه، عملنا حاجة بسيطة جدًا.
ما كانش فرح.
ولا حفلة.
ولا ناس كتير.
روحنا نفس المكان اللي اتجوزنا فيه زمان.
كان المكان اتغير.
لكن فضل فيه جزء من الحيطة القديمة.
وقفنا هناك.
أحمد لبس بدلة بسيطة.
وأنا لبست فستان أبيض هادي.
مش عشان نبدأ من جديد.
إحنا مش شباب.
لكن عشان نقول لنفسنا إن النهاية اللي اتحرمت علينا زمان…
ممكن نكتبها بإيدينا.
بصلي أحمد وقال
مريم.
نعم؟
تتجوزيني؟
ضحكت.
بعد ستة وخمسين سنة؟
أيوه.
مش المفروض أنا اللي أسألك؟
اسألي.
بصيتله.
وقلت
أحمد… لو رجع الزمن، كنت هتختارني؟
رد من غير تردد
كل مرة.
دموعي نزلت.
مد إيده.
وحطيت إيدي في إيده.
موافقة.
بعدها بشهور، كنت قاعدة في البلكونة.
أحمد كان بيقرأ الجرنال.
وأنا قدامي بوكيه ورد أصفر.
مسكت واحدة من الوردات.
وقلت
أحمد؟
نعم؟
إنت عارف إيه أكتر حاجة وجعتني في كل اللي حصل؟
قفل الجرنال.
إيه؟
إني قضيت عمري مستنية راجل كنت فاكرة إنه مات.
سكت.
قلت
ولما رجع…
ابتسمت.
اكتشفت إني كنت مستنية راجل عاش أكتر مني.
ضحك.
وبعدين قال
وأنا اكتشفت إن الست اللي سبتها عندها 22 سنة…
لسه جواها نفس البنت اللي حبتني.
بصيتله.
لأ.
لأ إيه؟
البنت دي ماتت من زمان.
اتخض.
لكن ضحكت.
بس الست اللي كبرت مكانها لسه بتحبك.
ضحك.
ومسك إيدي.
في المساء، طلعت آخر خطاب من خطابات أحمد.
الخطاب اللي كتبه سنة 2019.
قرأته بصوت عالي
مريم…
يمكن عمري ما أوصللك.
يمكن أموت قبل ما أعرف إذا كنتي سامحتيني.
لكن لو في يوم وصلتي للخطاب ده، عايزك تعرفي حاجة واحدة.
أنا ما نسيتكيش.
ولا يوم.
كل سنة كانت بتعدي وأنا بفتكر أول يوم شوفتك فيه.
وكل مرة كنت أسمع فيها صوت قطار، كنت أتخيل إني راجعلك.
وكل مرة أشوف ورد أصفر، كنت أفتكر وعدي.
يمكن الوعد اتأخر.
لكن الحب ما اتأخرش.
ولو ربنا اداني فرصة أقف قدامك مرة تانية…
مش هقولك سامحيني.
هقولك بس
أنا رجعت.
قفلت الخطاب.
بصيت لأحمد.
كان بيبصلي.
قلت
رجعت فعلًا.
قال
أيوه.
متأخر.
جدًا.
بس رجعت.
ابتسم.
أيوه.
مسكت إيده.
وقلت
خلاص.
سألني
خلاص إيه؟
قلت
نعيش اللي باقي.
شد على إيدي.
وقال
سوا؟
ابتسمت.
سوا.
مرت سنتين بعدها.
ما كانوش مثاليين.
كان فيه أيام اتخانقنا فيها.
وأيام زعلنا.
وأيام كنت أبصله وأفتكر الستة وخمسين سنة وأحس بغضب.
لكن كل مرة كان أحمد يقول
أنا هنا.
وكانت الجملة دي كفاية.
لأنها كانت الجملة اللي استنيتها عمري كله.
في يوم شتوي هادي، كنت قاعدة جنبه.
هو كان تعبان شوية.
حطيت إيدي على إيده.
قال
مريم.
نعم؟
لو حصللي حاجة…
قاطعته
متبدأش.
ابتسم.
بس اسمعيني.
مش عايزة.
قال
عايزك تكملي.
سكت.
المرة دي من غير انتظار.
دموعي نزلت.
قلت
أنا تعبت من الانتظار.
قال
عارف.
وبعدين ابتسم
بس على الأقل آخر مرة انتظرتيني… أنا جيت.
ضحكت وسط دموعي.
أيوه.
قرب مني.
وقال
وكان معاكي بوكيه ورد.
بصيت للورد الأصفر اللي كان في المزهرية.
قلت
أكبر بوكيه شفته في حياتي.
قال
لسه عندي واحد أكبر.
ضحكت.
إمتى؟
قال
المرة الجاية.
مسكت إيده.
وقلت
لأ.
ليه؟
المرة الجاية تيجي إنت بنفسك.
ابتسم.
حاضر.
وأنا بكتب الحكاية دي، فهمت إن بعض القصص ما بتكونش عن إن حد اختفى.
بتكون عن شخص فضل موجود في قلبك رغم إنه مش موجود في حياتك.
وفهمت إن الانتظار مش دايمًا ضعف.
لكن برضه…
الحب الحقيقي مش معناه إنك تلغي نفسك عشان حد.
أحمد أخطأ لما قرر نيابة عني.
وأنا سامحته مش عشان الستة وخمسين سنة اختفوا.
لكن عشان هو رجع واعترف بكل حاجة.
ما طلبش مني أنسى.
ما طلبش مني أمثل إن الزمن ما عداش.
طلب فرصة.
وأنا اخترت أديهاله.
أما الورد الأصفر…
ففضل كل