بعد فرحنا بيومين حكايات توتا

سفره.
لكن اللي صدمني
إن الصورة كان مكتوب وراها تاريخ
1974.
أربع سنين بعد اختفائه.
مسكت الصورة بإيد مرتعشة.
أحمد كان عايش سنة 1974؟
بنت كريم هزت راسها.
أبويا كان بيقول إنه شافه.
بصيت لها.
إمتى؟
قالت
بعد اختفائه بأربع سنين.
صرخت من غير ما أقصد
طب ليه ما قالش؟!
ردت بهدوء موجع
كان بيقول إن لو اتكلم كان هيعرض حياتك للخطر.
سكت.
الخوف اللي كان في صدري من أول ما وصلت الرسالة رجع تاني.
لكن المرة دي كان مختلف.
أنا ما بقيتش بس عايزة أعرف أحمد اختفى ليه.
أنا بقيت عايزة أعرف
مين اللي خلاه يختفي؟
وليه كان لازم يسيبني 56 سنة؟
بنت كريم طلعت دفتر أسود من الصندوق.
وقالت
ده آخر حاجة كتبها أبويا.
فتحته.
أول صفحة كانت بتاريخ سنة 2018.
وآخر سطر فيها كان
لو مريم وصلت هنا، يبقى أحمد أخيرًا قدر يرجع.
إيدي وقفت.
بصيت لها.
يرجع؟
هي قالت
أيوه.
وقلبت الصفحة.
كان فيه عنوان مكتوب بخط كريم
الحقيقة اللي ما عرفتهاش مريم سنة 1970.
بدأت أقرأ.
وكان أول سطر
أحمد لم يكن مفقودًا أحمد كان مختفيًا بإرادته، لكنه لم يكن حرًا.
شهقت.
كملت القراءة.
في اليوم اللي سافر فيه أحمد، كانت مهمتنا الحقيقية مختلفة تمامًا عن اللي اتقال لنا.
إحنا ما كناش رايحين ننفذ مهمة عادية.
كنا رايحين نسلّم ملف خطير جدًا.
ملف فيه أسماء ناس كبار متورطين في شبكة فساد وتهريب أسرار ومعلومات.
وأحمد كان الشخص الوحيد اللي معاه النسخة الأصلية.
قبل ما نوصل، اكتشفنا إن في حد من داخل المجموعة بيسرب تحركاتنا.
وفي الليلة الأخيرة
اتقبض على أحمد.
رفعت عيني عن الورق.
اتقبض عليه؟
بنت كريم كانت ساكتة.
كملت القراءة.
أنا هربت.
أحمد طلب مني أهرب.
وقال لي بالحرف
لو رجعت لهم، هيموتوني أنا وإنت ومريم.
كنت عايز أرجعله.
لكن أحمد أجبرني أكمل.
وفي اليوم التالي، اتعرض علينا إن أحمد مات في حادث أثناء المهمة.
لكنني عرفت إن ده كان كذبًا.
قلبي كان بيخبط.
قلبت الصفحة.
بعد أربع سنين، وصلني خطاب بدون اسم.
كان فيه سطر واحد
مريم بخير؟
وعرفت فورًا إن أحمد هو اللي بعته.
الورقة وقعت من إيدي.
كان بيسأل عليا؟
بنت كريم قالت
أبويا كان متأكد إنه هو.
بدأت أبكي.
بعد 56 سنة، عرفت إن أحمد كان بيسأل عليا.
يعني ما نسينيش.
يعني وعده ما كانش كذبة.
يعني في مكان ما، خلال كل السنين دي
كان فيه راجل لسه فاكر إن مراته بتحب الورد الأصفر.
قلبت الصفحة التالية.
لكنها كانت ممزقة.
سألتها
الباقي فين؟
قالت
أبويا كان محتفظ بالصفحات المهمة في مكان تاني.
فين؟
بصتلي.
وقالت
في شقته القديمة.
فين الشقة؟
قالت العنوان.
وبعدين مسكت إيدي قبل ما أقوم.
في حاجة لازم تعرفيها.
بصيت لها.
قالت
أبويا قبل ما يموت بأسبوع، جاله شخص غريب.
مين؟
ماعرفش.
قال إيه؟
قال له جملة واحدة.
سكتت.
إيه هي؟
قالت
قول لمريم إن أحمد رجع بس هي لسه ما شافتوش.
اتجمدت.
رجع.
الكلمة دي فضلت ترن في دماغي.
خرجت من بيت كريم وأنا ماسكة الصورة والدفتر.
لكن قبل ما أركب العربية، موبايلي رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
مفيش رد.
قلت
ألو؟
وبعدين سمعت صوت راجل كبير.
صوت متقطع.
وقال
مريم؟
قلبي وقف.
أيوه مين؟
الصوت قال
لو عايزة تعرفي أحمد فين متروحيش للشقة القديمة.
ليه؟
لأنهم عارفين إنك بدأتي تدوري.
شهقت.
مين إنت؟
لكن الخط اتقفل.
فضلت ماسكة الموبايل.
وبصيت حواليّ.
ولأول مرة من 56 سنة
حسيت إن انتظار أحمد ما كانش مجرد قصة حب قديمة.
كان سر.
وسر لسه فيه ناس مستعدين يعملوا أي حاجة عشان يفضل مدفون.
وفي نفس اللحظة، جالي إشعار رسالة.
فتحتها.
كانت صورة.
صورة لبوكيه الورد الأصفر اللي وصل بيتي.
وتحتها رسالة قصيرة
ما تكمليش.
رفعت عيني للشارع.
وفي الناحية التانية، عربية سودا كانت واقفة.
أول ما بصيت ناحيتها
اتحركت بسرعة واختفت.
مسكت صورة أحمد في إيدي.
وقلت لأول مرة بعد 56 سنة
أنا مش هخاف منك يا أحمد ولا من اللي خبّاك.
وبدأت أدور على الحقيقة.
حتى لو الحقيقة دي كانت هتغير كل حاجة كنت مصدقاها عن جوزي وعن حياتي كلها.
الفصل التاني الراجل اللي اختفى من الدنيا
خرجت من عند بنت كريم وأنا ماسكة الدفتر والصندوق الحديدي كأني ماسكة عمري كله في إيدي.
طول الطريق وأنا ساكتة.
حتى هي، بنت كريم، كانت ماشية جنبي من غير ما تتكلم.
قبل ما أوصل باب العمارة، وقفت وبصتلي وقالت
مدام مريم…
بصتلها.
قالت بتردد
بابا قبل ما يموت كان بيقول إن لو حضرتك جيتي في يوم وسألتي عن أحمد، متقوليش إنك عارفة أي حاجة.
قلبي اتقبض.
ليه؟
سكتت شوية وبعدين قالت
كان خايف عليكي.
ضحكت ضحكة مكسورة.
بعد ستة وخمسين سنة؟ لسه خايف عليا؟
بصتلي في عيني وقالت
كان بيقول إن فيه ناس بتستنى اللحظة اللي يظهر فيها أحمد من جديد.
الكلمة دي خلتني أسكت.
ركبت عربيتي ورجعت البيت.
حطيت الصندوق فوق السفرة.
فضلت أبصله فترة طويلة.
وبعدين فتحته.
جواه كان فيه شريط تسجيل قديم، ومفتاح صغير، ومظروف بني عليه اسمي.
إلى مريم… لو وصلتِ للنهاية.
إيدي بدأت ترتعش.
فتحت المظروف.
لقيت ورقة واحدة.
مريم،
لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى أحمد أخيرًا قرر يرجع.
بس قبل ما تشوفيه، لازم تعرفي حاجة.
هو ما اختفاش لأنه نسيكي.
هو اختفى لأنه كان مقتنع إن وجوده جنبك هيعرّضك للموت.
وأنا عارف إنك هتكرهيه.
ومن حقك.
لكن اسمعيه للآخر.
وبعدها قرري بنفسك إذا كان يستحق فرصة ولا لأ.
المفتاح اللي في الصندوق هيفتح خزنة في محطة مصر القديمة، صندوق رقم 27.
المكان ده محدش يعرفه غيري أنا وأحمد.
ولو أحمد قالك ما تروحيش…
روحي.
وقفت عند آخر سطر.
إنت مجنون يا كريم…
ازاي يقوللي روحي لو أحمد قاللي ما تروحيش؟
مسكت المفتاح.
تاني يوم الصبح، روحت محطة مصر.
كنت حاسة إني بعمل حاجة غلط.
مش عشان المكان.
عشان الستة وخمسين سنة اللي فجأة بقت كلها بتتحرك حواليا.
وصلت للصندوق رقم 27.
المفتاح دخل.
لفيته.
الباب اتفتح.
جواه كان فيه ملف قديم، وصورة، وورقة صغيرة.
الصورة كانت لأحمد.
مش صورة من أيام شبابنا.
صورة أحدث.
راجل كبير.
شعره كله أبيض.
بس عينيه…
عرفتهم.
حتى بعد العمر كله، عرفتهم.
فضلت ماسكة الصورة وأنا مش قادرة أتنفس.
تحت الصورة كان مكتوب
اتصوّرت سنة 2023.
يعني…
أحمد كان عايش من تلات سنين بس!
مش من خمسين سنة.
مش اختفى ومات.
كان عايش.
من قريب جدًا.
والأهم…
كان عارف إني لسه عايشة.
فتحت الملف.
لقيت مستندات قديمة، وأسماء شركات، وتحويلات، وتقارير عن المهمة اللي خرج فيها أحمد.
الموضوع ما كانش مجرد شغل سري.
كان فيه شبكة كبيرة جدًا بتستخدم شركات نقل وتجارة كغطاء لعمليات تهريب معلومات وأموال.
أحمد وكريم اكتشفوا حاجة أخطر.
كان فيه حد من داخل المجموعة بيسرب تحركاتهم.
وفي الليلة اللي أحمد اختفى فيها…
كان فيه أمر مباشر بتصفيته.
كريم هرب.
أحمد اتقبض عليه.
لكن اللي محدش يعرفه إن أحمد ما ماتش.
تم إنقاذه بعد إصابة شديدة.
ولما فاق…
كان قدامه اختيار واحد.
إما يرجع لمريم…
أو يخلي مريم تعيش.
هو اختار التاني.
لكن الملف كان فيه حاجة أغرب.
ورقة مكتوب عليها
بعد 1974، تم نقل أحمد إلى برنامج حماية طويل المدى.
قلبي وقع.
يعني أحمد عاش بهوية تانية.
تحت اسم مختلف.
وسافر بين بلاد كتير.
وكل مرة كان فيه شرط واحد
ممنوع التواصل المباشر مع أي شخص من حياته القديمة.
لكن ليه 56 سنة؟
قلبت الورق.
لقيت خطابًا لم يُرسل.
الخط
خط أحمد.
مريم…
النهارده عيد جوازنا الخامس.
أنا واقف قدام محل ورد من نص ساعة.
نفسي أدخل وأطلب بوكيه أصفر.
بس لو عملت كده، هتبدأ سلسلة أسئلة ممكن توصلهم ليكي.
فأنا واقف هنا…
وبتخيل شكلك وإنتِ بتفتحي الباب.
سامحيني.
قعدت على الأرض.
بدأت أعيط.
مش عشان عرفت إنه كان عايش.
لأ.
عشان عرفت إنه كان عايش…
وبيفتكرني.
سنة ورا سنة.
كان فيه خطابات.
1975.
1976.
1977.
1978.
1979.
1980.
1981.
كل خطاب كان فيه نفس الحاجة.
أنا بخير.
مريم، سامحيني.
أنا لسه فاكر ضحكتك.
الورد الأصفر لسه وعد.
لكن ولا خطاب اتبعت.
في آخر الملف، لقيت ورقة مكتوبة بخط مختلف
تم إنهاء الحماية في 2024.
وقتها فهمت.
أحمد كان أخيرًا حر.
لكن بدل ما يرجعلي فورًا…
استنى.
استنى لحد ما يتأكد إن محدش هيقدر يوصللي من خلاله.
والنهارده…
كان عيد جوازنا السادس والخمسين.
الورد وصل.
يعني أحمد ما كانش بيختبر إذا كنت فاكرة.
كان بيوفي بوعد قديم.
مسكت الصورة وحطيتها على صدري.
وقلت بصوت عالي
لو إنت عايش فعلًا يا أحمد… تعالى.
وفجأة…
سمعت خبط على الباب.
اتجمدت.
الخبط اتكرر.
مرة.
اتنين.
ثلاثة.
مشيت ناحية الباب.
حطيت إيدي على المقبض.
لكن قبل ما أفتحه…
سمعت صوتًا من الناحية التانية.
صوت كنت فاكرة إني نسيت نبرته.
لكن القلب ما بينساش.
مريم…
إيدي وقعت من على المقبض.
اتنفست بصعوبة.
الصوت رجع
أنا أحمد.
فتحت الباب.
ولأول مرة من ستة وخمسين سنة…
بصيت لجوزي.
راجل عجوز واقف قدامي.
عصاية في إيده.
شعره أبيض.
وشه مليان خطوط العمر.
لكن عينيه…
كانوا هما.
نفس العينين اللي بصيتلهم يوم فرحنا.
نفس العينين اللي شفتهم آخر مرة وهو بيقوللي
هارجعلك.
فضلنا نبص لبعض.
ثواني.
دقايق.
ولا واحد فينا قدر يتكلم.
وبعدين قلت
إنت…
صوتي اتكسر.
إنت عايش؟
نزل عينه.
وقال
أيوه.
رفعت إيدي وضربته على صدره.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
ليه؟
ما ردش.
ضربته تالت مرة وأنا بعيط.
ليه يا أحمد؟
سابني أضربه.
وبعدين قال
عشان لو رجعتلك وقتها… كنتي هتموتي بسببي.
صرخت
وأنا موتِّني وأنا عايشة!
سكت.
الجملة دي كانت أقسى من أي ضربة.
دخل البيت.
وقفل الباب وراه.
وقعد على الكرسي.
بص حوالين المكان.
وقال
البيت لسه زي ما هو.
ضحكت وسط دموعي.
البيت اتغير يا أحمد.
بصلي.
قلت
أنا اللي ما اتغيرتش.
وسكتنا.
لحد ما قال
أنا عارف.
بصيتله بغضب.
عارف إيه؟
قال
عارف إنك مستنياني.
هنا ما قدرتش أتماسك.
صرخت
لأ! إنت ما تعرفش!
مريم…
إنت ما تعرفش يعني إيه واحدة تصحى كل يوم وهي مش عارفة جوزها مات ولا عايش! ما تعرفش يعني إيه كل ما حد يخبط على الباب أجري وأنا فاكرة إنك رجعت! ما تعرفش يعني إيه الناس تقوللي اتجوزي وأنا أقولهم يمكن يرجع!
نزل راسه.
عندك حق.
لأ، مش عندي حق بس!
قربت منه.
إنت سرقت مني عمري يا أحمد.
رفع عينه.
وكان واضح إنه مستعد يسمع كل كلمة.
وأنا مش جاي أطلب منك ترجعيلي العمر ده.
سكت.
قال
أنا جاي أقولك الحقيقة.
قعد أحمد قدامي ساعات.
وحكى.
من أول الليلة اللي اختفى فيها.
حكى عن المطاردة.
عن القبض عليه.
عن إصابته.
عن تهديدهم له بمريم.
وقال إن الشخص اللي سرب المعلومات كان قريب جدًا منهم.
ولما عرفوا إنه متجوز، بدأوا يسألوا عني.
عشان كده أحمد وافق إنه يختفي رسميًا.
كان فيه تقرير مزيف عن وفاته.
وكان لازم كل أثر له يختفي.
حتى كريم ما

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *