وصلت ومعايا هدايا

المرة لم يكن هناك أحد في الممر.
كان هناك صوت واحد فقط…
صوت تسجيل بدأ يخرج من الهاتف الموجود على المكتب.
وصوت مايكل نفسه قال
فاليري… لو إنتِ بتسمعي الرسالة دي، يبقى أنا مت.
ثم توقف لثانية.
وأهم حاجة لازم تعرفيها…
جميعنا اقتربنا من الهاتف.
ثم جاء صوته
الشخص اللي قتلني موجود في الغرفة معاكِ.توقفت أنفاسي.
نظرت إلى كل شخص موجود في الغرفة.
أبي كان واقفًا بجوار المدفأة.
فانس عند الباب.
إليانا خلفي.
دانيال بجانبي.
وريتشارد أمامنا جميعًا.
صوت مايكل استمر من الهاتف
متحاوليش تصدقي أول شخص هيقولك إنه بيحميكي… لأن اللي حصل لي بدأ بكلمة أنا بحميك.
ثم انقطع التسجيل.
ساد صمت ثقيل.
قلت
مين فيهم؟
لم يجب أحد.
فانس رفع يديه بسرعة.
فاليري، إنتِ عارفة إني…
قاطعته
متتكلمش.
ثم نظرت إلى أبي.
وإنت كمان.
أبي جلس ببطء، وكأنه أدرك أن اللعبة انتهت.
لكن ريتشارد ابتسم.
وقال
الرسالة دي اتسجلت من واحد وعشرين سنة.
دانيال سأله
وإنت كنت تعرف بوجودها؟
أيوه.
ليه سكت؟
اقترب ريتشارد من الطاولة ووضع يده عليها.
لأن أبوك كان عارف إن لو الرسالة ظهرت وقتها، فالقاتل هيقتل فاليري قبل ما تعرف حتى هي مين.
ثم نظر إليّ.
عشان كده مايكل أخفى كل حاجة في مكان واحد.
قلت
الخزنة؟
هز رأسه.
لأ.
ثم أشار إلى المفتاح الموجود في يد أبي.
المفتاح ده بيفتح غرفة.
أبي انتفض.
ريتشارد!
لأول مرة ارتفع صوت ريتشارد
كفاية يا آرثر!
ثم أضاف
أنت أخفيت الحقيقة واحد وعشرين سنة. النهارده مش هتخفيها أكتر.
اقتربت من أبي.
الغرفة فين؟
لم يجب.
إليانا قالت
تحت البيت.
تجمدت.
تحت البيت؟
أومأت.
في قبو قديم محدش بيدخله.
دانيال قال
أنا عارف القبو ده.
نظرت إليه.
إنت عارفه؟
وأنا صغير، أبويا كان بيمنعني أقرب منه.
تحركنا جميعًا نحو الباب الخلفي.
لكن قبل أن ننزل، سمعت صوت ارتطام قوي من الطابق العلوي.
ثم صوت زجاج بيتكسر.
التفتنا جميعًا.
فانس قال
حد دخل البيت!
ركض دانيال ناحية السلم.
وأنا خلفه.
وصلنا إلى مكتبي.
كان الشباك مفتوحًا.
والأوراق مبعثرة في كل مكان.
لكن لم يكن هناك أحد.
ثم لاحظت شيئًا على مكتبي.
ورقة واحدة فقط.
كانت تحمل جملة قصيرة
متدوريش تحت البيت… لأنك هتلاقي الحقيقة، لكن مش هتلاقي الشخص اللي قتل أبوكي.
وتحتها اسم واحد.
ريتشارد.
رجعت للخلف ببطء.
ونظرت إليه.
كان واقفًا أسفل السلم.
وفي يده…
نفس المفتاح الذي كان في يد أبي قبل دقائق.
رفعت عيني إليه وقلت
إنت أخدت المفتاح من أبويا؟
ابتسم.
لأ.
ثم أشار إلى أبي.
أبوكي هو اللي سلّمهولي.
اتجهت بنظري إلى أبي.
فقال بصوت مرتعش
فاليري… اسمعيني قبل ما تحكمي.
لكن ريتشارد قاطعه
خليه يحكي.
ثم ابتسم ابتسامة باردة.
بس خليه يقول لك الأول… مين اللي طلب منه يدفن مايكل حي؟
تجمدت في مكاني.
دانيال شهق
دفنه حي؟!
إليانا وضعت يدها على فمها.
وأبي أغمض عينيه.
أما أنا…
فلم أعد أسمع شيئًا.
كل ما ظل يتردد في رأسي كان سؤال واحد
لو مايكل لم يمت وقتها… فمن الذي دُفن مكانه؟بصيت لأبي وأنا مش قادرة أصدق اللي سمعته.
إنت قلت إيه؟
أبي ظل ساكت.
كررت بصوت أعلى
مين اللي اتدفن مكان مايكل؟
ريتشارد رد بدلًا منه
شخص مجهول الهوية.
دانيال اقترب منه بعصبية
يعني إيه مجهول الهوية؟!
يعني إن الجثة اللي اتسجلت باسم مايكل… ما كانتش مايكل.
إليانا انهارت على الكرسي.
يبقى هو كان عايش؟
ريتشارد هز رأسه.
كان عايش وقتها.
ثم أضاف
لكن ما أعرفش عاش لحد إمتى.
شعرت أن الأرض تميد تحت قدمي.
وأبويا كان عارف؟
ريتشارد نظر إلى آرثر.
آرثر كان أول واحد عرف.
قلت
طب ليه سكت؟
أبي رفع عينيه نحوي.
لأن مايكل هو اللي طلب مني.
طلب منك إيه؟
طلب مني أخلي العالم كله يصدق إنه مات.
صرخت
ليه؟!
وقبل أن يجيب، سمعنا صوت ارتطام من القبو.
توقف الجميع.
دانيال قال
الصوت جاي من تحت.
ريتشارد أمسك المفتاح.
يبقى حد وصل قبّلنا.
نزلنا السلم بسرعة.
كان القبو مظلمًا، ورائحة الرطوبة تملأ المكان.
وفي آخر الممر وجدنا بابًا حديديًا قديمًا.
ريتشارد أدخل المفتاح.
لكن قبل أن يديره، ظهرت ورقة صغيرة تحت الباب.
انحنيت وأخذتها.
كان مكتوبًا عليها
لو وصلتوا هنا، يبقى ريتشارد قال لكم نص الحقيقة فقط.
رفعت رأسي إليه.
إنت كنت هتخبي إيه؟
ريتشارد لم يرد.
دانيال خطف الورقة من يدي.
وفي ظهرها كانت جملة ثانية
مايكل لم يختفِ وحده.
إليانا شهقت.
فاليري…
نظرت إليها.
إيه؟
قالت بصوت مرتجف
يوم اختفى مايكل… كان فيه شخص تاني اختفى معاه.
مين؟
سكتت طويلًا.
ثم قالت
والدك.
تجمدت.
آرثر؟
هزت رأسها.
لأ.
وأشارت إلى صورة قديمة كانت معلقة على جدار القبو.
أبوكي الحقيقي… مايكل.
في اللحظة نفسها، انفتح الباب الحديدي من الداخل.
لم يكن هناك أحد.
لكن على الأرض كانت توجد حقيبة جلدية قديمة.
وعليها اسمي.
فتحتها.
وجدت بداخلها عشرات الأوراق، وصورًا، وتسجيلًا صوتيًا.
لكن الشيء الذي جعل يدي تتجمد كان صورة واحدة فقط.
صورة لمايكل وهو واقف أمام مبنى قديم…
وبجواره فتاة صغيرة.
رفعت الصورة أمام إليانا.
كانت تنظر إليها والدموع في عينيها.
ثم قالت
دي مش صورة قديمة.
قلت
إزاي؟
أشارت إلى خلفية الصورة.
كان هناك تاريخ مكتوب بخط اليد
قبل ثلاثة أيام.
ثم وصلني إشعار على هاتفي.
رقم مجهول.
رسالة واحدة
لو عايزة تعرفي أبوكي فين… تعالي لوحدك.
وتحت الرسالة عنوان.
العنوان كان لمكان أعرفه جيدًا…
مقبرة مايكل وقفت قدام المقبرة وأنا حاسة إن رجلي مش شايلاني.
المكان كان هادي بشكل مرعب.
مفيش غير صوت الهوا بين الأشجار، والسماء بدأت تظلم.
دانيال مسك دراعي.
فاليري، الرسالة قالت تيجي لوحدك. واضح إن اللي بعتها عايز يبعدنا عنك.
بصيت له.
عشان كده مش هترجع.
ريتشارد قال بسرعة
إحنا مش هنسيبك.
لكن إليانا كانت بتبص للقبر من بعيد، ووشها اتغير تمامًا.
استنوا…
مشينا ناحيته.
كان القبر مكتوب عليه
مايكل مورغان 19652005
ركعت قدام الحجر.
مديت إيدي ناحية التراب.
كان لسه مبلول.
قلت
حد كان هنا قريب.
دانيال انحنى وبص على الأرض.
وفيه آثار عجلات.
ريتشارد قال
ارجعوا.
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا صوت معدني.
طَق.
حجر القبر اتحرك سنتيمترات.
اتجمدنا جميعًا.
دانيال قال
القبر بيتفتح من جوه؟
ريتشارد اندفع ناحية الحجر وسحبه.
تحت لوح الرخام كان فيه تجويف ضيق.
لكن مفيش جثمان.
مفيش تابوت.
مفيش حتى عظام.
كان المكان فارغًا تمامًا.
إليانا بدأت تبكي.
كنت عارفة…
بصيت لها.
عارفة إيه؟
لم تجب.
وفجأة ظهر ضوء صغير داخل التجويف.
جهاز تسجيل.
شغل نفسه تلقائيًا.
وصوت مايكل خرج مرة أخرى
لو وصلتِ للقبر، يبقى عرفتي إن الجثة اللي اتدفنت هنا لم تكن جثتي.
سكت التسجيل لحظة.
ثم قال
لكن فيه حاجة أهم…
اقتربت منه.
أنا لم أختفِ وحدي.
شهقت.
ثم أكمل
الشخص الثاني اللي اختفى معايا كان الشخص الوحيد اللي وثقت فيه.
نظرت إلى ريتشارد.
ثم إلى إليانا.
ثم إلى دانيال.
وفجأة ظهر تسجيل مصور على شاشة صغيرة داخل الجهاز.
صورة مشوشة لرجلين يدخلان مبنى قديم.
أحدهما كان مايكل.
والثاني…
كان أبي.
صرخت
بابا!
أبي، الذي كان واقفًا خلفنا، لم ينكر.
لكن قبل أن أواجهه، ظهر وجه ثالث في التسجيل.
رجل لم أره من قبل.
اقترب من مايكل وقال
بنتك هتكون في أمان طالما إنت ساكت.
ثم انطفأت الشاشة.
شعرت بصدمة.
كان بيهددك بيا؟
صوت أبي جاء من خلفي
أيوه.
استدرت إليه.
مين الرجل ده؟
أبي لم يجب.
ريتشارد قال
آرثر… خلاص.
لكن أبي نظر إليّ وقال
الرجل ده مات من عشرين سنة.
دانيال سأل
يبقى مين اللي بيبعت الرسائل دلوقتي؟
وفجأة وصلني إشعار جديد.
فتحت الهاتف.
صورة وصلتني.
كانت صورة حديثة.
لمايكل.
واقفًا أمام نفس المبنى الموجود في التسجيل.
وتحت الصورة جملة واحدة
أنا مستنيكِ جوه.
ثم ظهر عنوان المكان.
كان نفس المستشفى المهجور الذي وجدنا فيه ملف ولادتي.
رفعت عيني ببطء.
وقلت
هو عايزني أرجع للمكان اللي بدأت منه كل الحكاية.
لكن إليانا أمسكت يدي بقوة.
لأ يا فاليري…
كانت تحدق في الصورة.
ثم همست
المكان ده مش بداية الحكاية.
أمال إيه؟
قالت وهي ترتجف
ده المكان اللي اتدفن فيه السر الحقيقي.
وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار أخير.
هذه المرة لم يكن من رقم مجهول.
كان من رقم مسجل عندي باسم…
أبي.
لكن أبي كان واقفًا أمامي.
والرسالة كانت تقول
لو صدقتي إليانا… هتضيعي للأبد بصيت لريتشارد وأنا مش قادرة أتكلم.
مين كان واقف جنب سريري؟
ريتشارد قال بهدوء
آرثر.
اتجمدت.
بصيت لأبي.
إنت؟
أبي نزل عينيه، ثم قال
أيوه… كنت أنا.
صرخت
يبقى إنت قتلت مايكل؟!
هز رأسه بسرعة.
لأ. أنا كنت هناك علشان أنقذه.
إليانا تقدمت خطوة.
قول لها الحقيقة كلها يا آرثر.
أبي أخذ نفسًا طويلًا.
مايكل اكتشف إن واحد من شركائه كان بيسرق أمواله، وبيزوّر مستندات باسمه. ولما حاول يفضحه، اتعملت حادثة مدبرة.
دانيال قال
مين؟
أبي نظر إلى ريتشارد.
لكن ريتشارد هز رأسه.
مش أنا.
ثم أخرج ملفًا قديمًا ووضعه أمامي.
كان فيه تقرير شرطة، وصور، وتحويلات مالية.
وفي آخر صفحة كان الاسم واضحًا
فانس.
صرخت
فانس؟!
قال أبي
فانس ما كانش القاتل وقتها. لكنه بعد سنين اكتشف الحقيقة، واستغلها علشان يسرق أموالك.
ثم ظهرت الحقيقة الأكبر.
الرجل الذي ظهر في تسجيل مايكل لم يكن القاتل.
كان محققًا خاصًا تعاقد معه مايكل سرًا.
أما القاتل الحقيقي فكان شريك مايكل القديم، الذي مات قبل سنوات دون أن يُكشف أمره.
لكن فانس وبياتريس وآرثر استغلوا كل الأسرار القديمة لإخفاء عمليات الاحتيال الحديثة.
رفعت عيني لأبي.
وإنت ليه عملت كل ده؟
قال
لأنني وعدت مايكل أحميكِ.
وتحميني بإيه؟ بالكذب؟
دمعت عيناه.
كنت خايف أخسرك زي ما خسرته.
سكتُّ طويلًا.
ثم أخرجت تسجيلات التحويلات، والتوقيعات المزورة، والاعترافات التي سجلها دانيال.
هذه المرة لم أهرب.
قدمت كل شيء للشرطة والمحامي.
خلال أسابيع، تم تجميد الحسابات، وبدأ التحقيق في الشركات الوهمية والقروض المزورة.
فانس اعترف بكل شيء بعدما ظهرت الأدلة.
وريبيكا، رغم مشاركتها في بعض الإجراءات، قدمت المستندات التي تثبت أنها تعرضت لضغط من والدها.
أما أبي…
فوقف أمامي ذات ليلة وقال
أنا عارف إنك ممكن متسامحينيش.
نظرت إليه.
أنا مش عارفة أسامحك دلوقتي.
ثم أضفت
لكني مش هخلي الكذب يكمل.
بعدها بأيام، فتحت صندوق الأمانة كاملًا.
لم تكن الثروة هي المفاجأة.
كانت هناك رسالة أخيرة من مايكل.
قرأت
يا فاليري، لو وصلتي للرسالة دي، يبقى قدرتِ تعرفي الحقيقة بنفسك. متخليش المال يعرّفك. خلي اختيارك هو اللي يعرّفك.
وضعت الرسالة على صدري.
ولأول مرة
منذ بدأت الحكاية، شعرت أنني لا أبحث عن إجابة.
أنا أصبحت الإجابة.
احتفظت باسم عائلتي، لكني غيرت إدارة الشركة بالكامل، ورددت كل مال ثبت أنه أُخذ بطريقة غير قانونية، وبدأت حياة جديدة بعيدًا عن الخوف.
أما إليانا، فأصبحت جزءًا حقيقيًا من حياتي.
وفي يوم افتتاح المؤسسة التي أسستها باسم مايكل، وقفت أمام صورته.
كان دانيال بجانبي.
قال
أبوكي كان هيفتخر بيكي.
ابتسمت وقلت
المرة دي… مش هخلي حد يدفن الحقيقة تاني.
ثم نظرت إلى الصورة.
وتذكرت كل شيء.
الأموال.
الأكاذيب.
القبر الفارغ.
والرسالة التي بدأت بها كل الحكاية.
وفي النهاية فهمت شيئًا واحدًا
أحيانًا، الحقيقة لا تموت… هي فقط تنتظر الشخص القادر على مواجهتها.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *