فى المطبخ بقلم رولا

​”سيبي المواعين دي من إيدك وروحي سخني أكل لأمي، هو إنتي متجوزاني عشان إيه؟!”
​دي كانت أول جملة سمعتها وأنا داخلة شقة بنتي.
​أنا مأرنتش الجرس. كان معايا نسخة من المفتاح من قبل الفرح، النسخة اللي ندى ادتهالي وهي بتضحك وبتقول: “خديها معاكي يا ماما، احتياطي لو في يوم المحشي اتحرق ولحقتيني.” بس بعد الظهر في اليوم ده من شهر ديسمبر، المكان مكنش فيه ريحة أكل، ولا ريحة دفا، ولا أي حاجة تشبه السعادة.
​كانت ريحة دهن بارد، وخوف متخزن، وبيت واسع أوي على ست واقفة لوحدها بتترعش.
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​ندى كانت واقفة قدام الحوض، حافية على البلاط اللي زي التلج، ومشمّرة كمامها لحد كوعها. شباك المطبخ كان مفتوح، رغم إن هوا طوبة برة كان بيقرص زي السكاكين. صوابعها كانت مزرقة. مش ببالغ، والله كانت مزرقة فعلاً من الساقعة.
​وعلى سفرة الشقة، تحت إضاءة نجفة غالية جداً أنا اللي كنت شرياها ليهم، كان قاعد جوزها شريف وأمه الست فادية. كانوا بياكلوا فراخ مشوية في أطباق الصيني الغالية اللي أنا جيباها لـ ندى في جهازها.
​الست فادية رفعت كاس العصير وضحكت ضحكة صفرا سمّاوية:
“الست الأصيلة تتعلم تخدم الأول وتعرف الأصول، بعد كده تدور على الدلع والراحة.”
​شريف حتى مابصش لبنتي. كان بيمضغ ببطء، وعلى وشه الابتسامة البايخة بتاعة الراجل الناقص اللي فاكر نفسه ملك زمانه عشان في ست بتخدمه وتلم وراه.
“ندى طول عمرها دراما وبتحب تعمل فيها رقيقة ومسهوكة.”
​بنتي مانطقتش. وطت راسها وقالت بصوت واطي ومكسور:
“حاضر يا شريف.”
​في اللحظة دي حسيت بحاجة جوايا اتكسرت ميت حتة. ندى، بنتي الدلوعة اللي كانت بتعيط لو شافت كلب شارع غلبان، اتعلمت تتكلم بصوت واطي وتخاف في بيتها!
جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
​محدش حس بوجودي لحد ما الطبق وقع. الست فادية مدت طبقها الفاضي وهي لسة لازقة في الكرسي مابتحركش صباع:
“اغسلي ده كمان مع اللي في إيدك.. وبعدين سخني عيش.”
​ندى نشفت إيديها في المريلة وخدت خطوة. فجأة شريف قام، خطف الطبق من إيد أمه ورزعه في صدر ندى:
“إنتي مابتسمعيش؟! سيبي الزفت اللي في إيدك ده وروحي هاتي أكل!”
​الطبق اتزحلق من إيدها ووقع على الأرض اتدشدش ميت حتة. ندى اتنفضت وضمت نفسها. الحركة دي.. الخضة دي كانت أوحش من أي زعيق. دي كانت خضة واحدة متعودة على الإهانة وعارفة إيه اللي هيحصل بعدها.
​وفي اللحظة دي شافتني.
“ماما؟!”
شفايفها كانت بهتانة ومزرقة. وكان في علامة غامقة قريبة من معصم إيدها، حاولت تداريها بسرعة تحت رغوة الصابون. حاولت تبتسم، بس وشها كله كان مرعوب.
​شريف لف وشه. ملامحه اتغيرت من الصدمة للغل في ثانية.
“إيه قلة الأدب دي؟ هي مامتك فاكرة البيت سداح مداح وداخلة علينا من غير إذن؟”
​الست فادية عدلت عقد اللولي اللي في رقبتها، بمنتهى البرود والسم:
“ما هي لو كانت اتتربت صح مكنتش طلعت دلوعة كده.. إنتي اللي ربتيها على إنها برنسيسة.”
​أنا ماصرختش. ماجريتش على شريف. ما رفعتش إيدي عليه، مع إن كل عصب في جسمي كان هيموت ويفرتكه. أنا بس بصيت لبنتي وقلت:

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *