اختي مريضه
الكاتبة اماني السيد
وهنا بدأت الحسبة الحقيقية اللي كان مغمي عينه عنها سنين، الحسبة اللي كان فاكرها سهلة وببلاش.
حاول يجيب جليسة أو ممرضة ترعى أخته عشان يقدر ينزل يشوف شغله اللي كان بيضيع منه، لكن أول ممرضة دخلت البيت وشافت حجم التعب وتغيير الحفاضات والتمارين ونوبات الصريخ، طلبت رقم فلكي شهرياً، والتانية هربت بعد تالت يوم وقالتله: “أختك حالتها صعبة ومحتاجة تفرغ كامل، الشغلانة دي تهد جبال!”
بقى يلف حوالين نفسه كالمجذوب.. عشان يلاقي مرافق مستقر يرضى يشيل الحمل، اضطر يدفع مرتب شهري يقسم الضهر، فوق مصاريف إيجار الشقة، وفواتير الكهربا، وأدوية أخته، وحفاضاتها، ومصاريف العلاج الطبيعي. الفلوس اللي كان محوّشها كاش عشان يغيّر بيها عفش شقته ويدلّع عروسته الجديدة في الفنادق، بدأت تطير زي الملح في المية.
خلال شهور قليلة، كل قرش كان سحبه وداخره اتبخر بالكامل على الإيجارات ومرتبات الممرضين اللي مبيكملوش. بقى يشتغل الصبح وبعد الظهر، يرجع من الشغل مهود الحيل يلاقي المرافقة سابت أخته ومشيت عشان ميعاد شيفتها خلص، فيقف بنفسه يغير الحفاضات، ويغسل الهدوم، ويسند أخته وهي بتصرخ وضهره يطقطق من الوجع.. نفس الوجع والريحة اللي كان بيعايرني بيها ويقرف يمد إيده في لقمة لمستها بسببه!
وفي يوم، كنت نازلة أوصل ولادي للمدرسة، ولابسين ومبسوطين وضحكتهم مالية الدنيا، شفته بالصدفة في السوق عند مجمع الخدمات الطبية، واقف يفاصل في تمن كيس حفاضات عشان يوفر عشرين جنيه، هدومه كالحانة ومكرمشة، شعره أبيضّ، وضهره محني كأنه عجز عشرين سنة لقدام في سنة واحدة.
أول ما عينه جت في عيني، وشه جاب ألوان وهرب بنظره في الأرض بذل وانكسار، حسيت إنه كان بيتمنى الأرض تتشق وتبلعه قبل ما أشوفه بالحالة دي.
عديت من جنبه بخطوة واثقة وراسي مرفوعة، ماسكة إيد ولادي وبضحك معاهم، ولا كأني شايفة شبح بيتحرك في الشارع.. سيبته غرقان في الساقية اللي كان فاكرها لعبة، وسيبته يدفع تمن نكرانه وجحوده من صحته، وفلوسه، وشبابه اللي ضاع عشان يعرف إن اللي بتشيل ببلاش وبحب وبأصل طيب، لما بتمشي.. مبيجيش مكانها غير الخراب وفواتير الدنيا كلها مبتعوضهاش.
الصدمة الحقيقية بقى مكانتش في الفلوس اللي طارت ولا في عروسته اللي خلعته وخدت مؤخرها، الصدمة كانت في “الحساب المؤجل” اللي بدأ يدفعه من صحته هو شخصياً.