لو اتاخرت
كان زوجي كلما خرج من البيت يترك لي رقمًا ويقول لو تأخرت أو حصل لي شيء اتصلي بأخي، مع أنني كنت أعرف جيدًا أن زوجي ليس له إخوة، ولم أفهم السر إلا في الليلة التي صار أطفالي يبكون من الجوع.
في العراق داخل حي بسيط في بغداد، كانت هاجر تعيش مع زوجها محمود وثلاثة أطفال في بيت صغير لا يملك من الرفاهية إلا دفء القلوب ورائحة الخبز حين يتيسر الطحين.
كان محمود رجلًا طيبًا قليل الكلام، يعمل في نقل البضائع بين الأسواق، يخرج قبل طلوع الشمس ويعود آخر الليل ووجهه متعب لكنه لا ينسى أن يبتسم لأولاده عند الباب.
وكانت له عادة غريبة كلما همّ بالخروج، يضع ورقة صغيرة قرب هاتف هاجر ويقول لها إذا تأخرت أو احتجتم شيئًا اتصلي بهذا الرقم فورًا.
كانت هاجر تسأله في كل مرة رقم من هذا يا محمود؟ فيجيبها بهدوء رقم أخي.
فتبتسم باستغراب وتقول في نفسها إن محمود يتيم الأب والأم ولا تعرف له أخًا ولا قريبًا، لكنها لم تضغط عليه لأنه كان رجلًا لا يحب فتح دفاتر الماضي.
مرت الأيام على هذا الحال حتى جاء أسبوع لم يعد فيه محمود إلى البيت، في اليوم الأول ظنت هاجر أنه تأخر بسبب العمل، وفي اليوم الثاني بدأت تقلق، وفي الثالث صار الخۏف يمشي معها في كل غرفة.
اتصلت به عشرات المرات، لكن الهاتف كان مغلقًا، وذهبت إلى السوق تسأل عنه فلم تجد إلا من يقول إنه لم يظهر منذ أيام.
بدأ مخزون البيت ينقص شيئًا فشيئًا، أولًا انتهى الخبز، ثم الزيت، ثم الأرز، وبقيت هاجر تقسم ما تبقى للأطفال وتدعي أن شبعها لا يحتاج طعامًا.
في الليلة السادسة، جلس الصغير يبكي من الجوع وهو يمسك طرف ثوبها، أما الأكبر فكان يحاول أن يبدو قويًا لكنه لم يستطع إخفاء ارتجاف صوته.
جلست هاجر على الأرض وسط البيت، تنظر إلى الورقة القديمة التي تركها محمود، وكان الرقم مكتوبًا بخط يده وتحتها كلمة واحدة أخي.
لم يعد لديها رفاهية السؤال ولا الكرامة الجريحة، فمسحت دموعها واتصلت بالرقم وهي لا تعرف هل تطلب مساعدة من غريب أم تكشف سرًا دفنه زوجها عنها.
جاءها صوت رجل غاضب من الطرف الآخر، بدا أنه في مشكلة أو اجتماع، وقال بحدة من المتصل؟
ارتبكت هاجر وبكت قبل أن تتكلم، ثم قالت أنا زوجة محمود، لا أعرف من تكون، لكنه قال لي إنك أخوه، وأطفالي لم يأكلوا جيدًا منذ أيام، وزوجي اختفى ولا أعرف عنه شيئًا.
ساد صمت طويل في الهاتف، ثم تغير صوت الرجل فجأة، كأن الاسم ضربه في قلبه لا في أذنه، وقال محمود قال لك إنني أخوه؟
قالت هاجر نعم، وأنا أعلم أنه ليس له إخوة، لكنني لم أجد غير هذا الرقم.
لم يطلب منها عنوانًا لأنه كان يعرف البيت، فقط قال بصوت مكسور لا تغلقي الباب، أنا قادم الآن.
بعد أقل من نصف ساعة، توقفت سيارة سوداء أمام البيت، ونزل منها رجل أنيق في الأربعينات اسمه فؤاد، ومعه أكياس طعام ودواء وحليب للأطفال، وخلفه سائق يحمل صناديق كاملة.
فتح الباب ورأى الأطفال حول أمهم بوجوه شاحبة، فخفض عينيه كأنه رأى دينًا قديمًا واقفًا أمامه يطالبه بالسداد.
دخل المطبخ بنفسه، وساعد هاجر في تجهيز الطعام، ولم يأكل لقمة واحدة حتى رأى الأطفال يشبعون وينامون بهدوء للمرة الأولى منذ أيام.
سألته هاجر بعد أن هدأ البيت من أنت؟ ولماذا قال محمود إنك أخوه؟
جلس فؤاد على الكرسي الخشبي وتنهد وقال أنا لست