من حفر حفره لمراته وقع فى شر أعماله ج١
منى السيد
حكايات مني السيد حصري
أختي كانت بتستأذن جوزها عشان تجيب لقمة للبيت، وكنت فاكرة إن الدنيا دايقة عليهم لحد ما نزلت السوق بالصدفة وشفته بيعزم صحابه بآلافات، وعرفت الفلوس دي طالعة من دم مين.
سيبيلي إنتي لستة الطلبات، أنا اللي هنزل السوق.
أختي مريم كان معصم إيدها وارم ومزرّق، مش قادرة حتى تشيل كيس خضار خفيف.
لأ يا دينا، والنبي بلاش، طارق هيقلب الدنيا لو صرفت جنيه زيادة عن حسابه.
الكلمة حرقت دمي أكتر من وجع إيدها.
الطلبات كلها كانت فرخة وشوية خضار وعيش، حاجات تمشي البيت أسبوع، بس طريقتها في الكلام كانت تحسسك إنها محتاجة إذن نيابة عشان تشتري أكل لعيالها. حصري على صفحة روايات و اقتباسات شديت الورقة من إيدها
أنا اللي هدفع من معايا، ارتاحي إنتي.
حاولت تحلف عليّ بس ما اديتهاش فرصة.
من يوم ما اتجوزوا من تلات سنين وهي ماشية على عجين ما يلخبطوش وبتعد القرش. الاتنين شغالين في شركة غزل ونسيج في المحلة، بس طارق حاطط إيده على مرتبها ومرتبه تحت مسمى إحنا واحد.
لو مسحوق الغسيل خلص، لازم تاخد إذن.
لو محتاجة جزمة، تأجل شهور.
لو عوزنا نلم في عيلة عشان مناسبة، لازم يدخل تحقيق كام، وليه، وعشان مين؟
وأنا الصراحة كان آخري جايب معاه.
من كام شهر في سنوية بابا الله يرحمه، كان شادد معاها وعصر معصم إيدها بغل وهي بتعيط، وقفتله في وشه وكنت هفرجه عليه الشارع، ومن ساعتها وهو عارف إني مبخافش من خياله.
نزلت السوق على الضهر.
جبت كل اللي في الورقة، وكنت بلف من شارع تاني عشان أشتري فاكهة، فجأة سمعت ضحكته العالية الرنانة وسط الدوشة.
طارق قاعد على قهوة بلدي ومطعم مشويات كبير.
مش شغال وردية إضافي زي ما قال لأختي خالص!
الترابيزة قدامه مفروشة كباب وكفتة وطلبات نازلة وطالعة، وحواليه تلاتة من صحابه مأنتخين.
وقفت ورا فرشة فاكهة استخبى عشان ما يلمحنيش.
واحد من صحابه نده
يا بني نزلنا حجرين كمان وشاي تقيل في خمسينة!
طارق رد وهو نافخ صدره
اطلب يا عم اللي في نفسك، الحساب كله عندي النهاردة.
واحد غمز له وضحك
يا راجل، والحكومة في البيت مش هتقفشك على المصاريف دي؟
طارق ضرب كف بكف وكركر من قلبه
مريم؟! دي غلبانة، أصلاً متعرفش أنا بقبض كام ولا بيدخل جيبي إيه!
الدم غلى في نفوخي.
لقيته بيطلع رزمة فلوس ملفوفة بأستك من جيب جلابيته، وضحك تاني
طول ما هي مقتنعة إننا لسه بنسدد في قرض الجواز، مبتحطش منطق ولا بتسأل القرش بيروح فين!
النَفَس انقطع في صدري.
مريم بقالها أكتر من سنة بتديله تلتين مرتبها كل أول شهر عشان الأستاذ مفهمها إنهم مزنوقين في سدادات القرض اللي خدوه عشان يشطبوا الشقة.
مطلعتش اتخانقت معاه.
طلعت تليفوني، صورت الترابيزة ورزمة الفلوس اللي في إيده من بعيد، ورجعت على شقة أختي والشرار بيطلع من عيني.
فتحت الباب بالمفتاح، لقيت مريم قاعدة في الأرض في أوضة النوم، وشها مخطوف، وقدامها كرتونة بلاستيك بتاعة الأوراق المهمة مفتوحة على مصراعيها.
في إيه يا مريم مالك؟!
مدت إيدها بورق وهي بتترعش
كنت بدور على عقد الشغل بتاعي في الورق ده
بصيت في الورق كانت إيصالات وإخطارات من البنك.
قرض الجواز خالص ومتسدد بالكامل من أربعتاشر شهر!
أومال الفلوس اللي بياخدها منك كل شهر دي بتطير فين؟!
مريم انفجرت في العياط.
قعدنا نقلب في الكرتونة سوا زي المجانين، لحد ما طلعنا كشف حساب وتحويلات شهرية بتتبعت لحساب بنكي غريب، ولا أنا ولا هي نعرفه، مبالغ تقيلة وكل شهر بمبلغ شكل، وكل وصل مكتوب في خانة الملاحظات
قسط الشقة الجديدة.
مريم همست وهي مش مصدقة
شقة إيه إحنا قاعدين في إيجار، ماعندناش شقق!
آخر وصل كان مكتوب فيه عنوان العقار بالتفصيل شقة تمليك في برج جديد على أطراف طنطا.
بس المصيبة الأكبر كانت في ورقة تانية خالص.
اسم واحدة ست مكتوب بخط الإيد جنب رقم الحساب والتوكيل.
مريم أول ما شافت الاسم، ملامح وشها اتجمدت وصوتها اتحشر في زورها
دينا
مين دي يا مريم؟ انطقي!
ده اسم الست اللي بتيجي تسأل عليه كل شهر في بوابة الشركة أول ما نقبض
وقبل ما ألحق أستوعب أو أسألها مين دي، صوت مفتاح اترشق في كالون باب الشقة واتفتح فجأة.
طارق رجع بدري جداً عن ميعاده.
مريم رمت الورق في الكرتونة بسرعة وهي بتترعش، وأنا وقفت بلعت ريقي وسكتّ على اللي شوفته في السوق.
دخل أوضة النوم، عينه نزلت على الكرتونة المفتوحة في الأرض، ووقف مسمار مكانه.
ماتخضش، ومسألش لقينا إيه، ولا برر وجوده
بص في عنينا بنظرة تخوف، وسأل بسؤال كشف كل المستور
أنهي واحدة فيكم اللي شافت عنوان الشقة؟!
الهوا في الأوضة فجأة بقى تقيل، عامل زي ما تكون شربت مية بتراب.
طارق كان واقف على الباب، كتافه عريضة وسادة نص المدخل، وقميصه كان مفتوح منه أول زرارين وريحة الشيشة والكباب فايحة منه، مش ريحة شحم ومكن زي ما المفروض يرجع من ورادي الغزل. عيونه فضلت تتنقل بيني وبين مريم على الأرض، وبعدين رجعت استقرت على الكرتونة البلاستيك المرمية جنب رجليها، والورق اللي نصه طالع منها زي ما يكون لسان متبري من صاحبه.
مريم شهقت، شهقة مكتومة مابتطلعش إلا من حد حس إن السقف بيقع فوق دماغه، ولمت رجليها تحتها وكأنها طفلة بتستخبى من حزام أبوها. الورقة اللي كان فيها