لو اتاخرت

من يحميكم، ولن يكون هذا أحدًا غير فؤاد. هو أخي، وسيكون أخاكم. وكنتُ أرفض دائمًا أن أخبركِ، لأنه لا يريد أن يعيش أحدكم في خوف، ولا يريد أن تُلوّث حياتكم البريئة ذكريات مُرّة.
سكت فؤاد، وأخذ نفسًا عميقًا، بينما كانت هاجر تسمع كل كلمة وتشعر كأن جبلًا يُرفع عن قلبها ثم يُوضع مكانه آخر أثقل منه.
ولكن لماذا اختفى؟ سألت بصوت بالكاد يُسمع. وأين هو الآن؟
نظر فؤاد إلى عينيها بصدق مؤلم كريم اكتشف أنني على قيد الحياة. وربما اكتشف أيضًا أن محمود على اتصال بي. قبل أيام، جاء رجاله إليّ وهددوني. وعلم محمود بذلك. فغادر البيت عازمًا على مواجهتهم وحده، كي لا يُقحم أحدًا في الخطړ. هو ذهب ليحمينا جميعًا، وليكتم صوت الماضي بصوته هو.
بكت هاجر حينها، لم يبكِ ضعفًا بل بكاء من عرفت أن زوجها كان أعظم مما ظنّت، وأكثر شجاعة مما تخيلت. وفتحت الرسالة مرة أخرى، وقرأت ما تبقى منها بصوت مرتعش
يا هاجر،
إذا قرأتِ هذه الكلمات فاعلمي أنني ذاهبٌ لأقوم بما يجب عليّ فعله. لا تبكي عليّ كثيرًا، وكوني قوية لأولادنا. فؤاد ليس مجرد صديق، هو الجزء من روحي الذي بقي حيًّا، وسيكون لكم نعم الأخ والأب بعدي.
إن وصلتِ إلى هنا، فهذا يعني أن الخطړ قد أصبح عند بابكم، لذا اسمحي لي أن أخبركِ بشيء لم أصرّح به لأحد كريم لديه ورقةدليليُدين نفسه، وقد أخفيتها في مكان لا يعرفه إلا أنا. إن وجدها، عاد كل شيء كما كان، وإن وجدناها نحن، انتهى هو إلى غير رجعة.
المكان خلف الجدار في الغرفة التي ينام فيها الأولاد، حيث توجد حجرة سوداء صغيرة بين الطوب. الدليل هناك. استخدموه لتحموا أنفسكم، ولتطهّروا اسمي واسم فؤاد من كل ما علق بهما.
أحبكم جميعًا.
محمود.
انتهت الكلمات، وبقي الصمت في البيت ثقيلًا كالړصاص. قام فؤاد فورًا إلى الغرفة، وفتح المكان المذكور، وأخرج ورقة قديمة ومجموعة من المستندات. عاد بها إلى الطاولة، وحين قرأها بدت عليه علامات الصدمة والذهول.
هذا ليس مجرد دليل عليه فقط، قال بصوت مهتز. هذا يربطه بكل ما حدث طوال السنوات الماضية، بما في ذلك الحاډث الذي كاد يقتلنا. محمود كان يجمع هذا طوال الوقت، كان يستعدّ لهذا اليوم، ولم يخبرني حتى لا أقلق.
نظرت هاجر إليه بعزمٍ بدأ ينبت في قلبها كالنبات بعد المطر إذًا لا ينبغي أن نجلس وننتظر. يجب أن نحمي أنفسنا، وأن نجد محمود، وأن نُنصف كل من ظُلم.
في الصباح الباكر، لم ينتظروا شيئًا. سلم فؤاد جزءًا من المستندات إلى جهات يثق بها، واتصل بمن يمكنه المساعدة، بينما بقيت هاجر مع أطفالها في مكان آمن لم يخبّئه أحد غير محمود نفسهبيت عجوز كانت تسكن في حيّ آخر، وكانت تعرف محمودًا منذ صغره وتعزه كولدها.
مرت الأيام ثقيلة، كل ساعة فيها كأنها سنة. كان فؤاد يتنقل بين الأماكن، يبحث، يسأل، يتابع الخيوط التي بدأت تتكشف. وفي كل ليلة كان يأتيها ويخبرها بما توصل إليه، ولم يخبّئ عنها شيئًالا سيئًا ولا جيدًا.
وفي اليوم السابع، جاءها وجهه ليس مشرقًا تمامًا، لكنه لم يكن حزينًا كالسابق. قال لها وهو يتنفس بعمق وجدته. هو في المستشفى، في مكان بعيد قليلًا. لقد تعرض لضړب شديد، وكان محتجزًا لديهم في مكان معزول، لكنه حيّ يا هاجر. محمود حيّ.
لم تستطع هاجر أن تتكلم، فقط أغمضت عينيها وشكرت الله من أعماق قلبها، وسقطت دموعها هذه المرة دموع فرح لا حزن.
سافرت معه فورًا، وحين دخلت الغرفة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *