لو اتاخرت

التي كان فيها محمودنائمًا على السرير، وجهه به چروح وآثار، لكنه يتنفساقتربت منه ببطء وكأنها تخشى أن يطير إذا مسّته. أمسكت بيده الدافئة، وقالت بصوتها الرقيق لقد جئتُك. أنا هنا. والأطفال بخير. وفؤاد معنا.
فتح محمود عينيه ببطء، ورآها، ورأى فؤاد يقف خلفها، فابتسمتلك الابتسامة الهادئة نفسهاوقال بصوت ضعيف قلت لكم سيكون كل شيء بخير.
بقيت بجانبه أيامًا حتى تحسّن حاله، وكان فؤاد يزوره كل يوم، ويجلس معه لساعات يحدثانه عن كل ما حدث، وكيف أن الدليل الذي تركه كان كافيًا لإنزال العدالة بمن ظلمهم. لم يعد كريم ورجاله يملكون سلطة عليهم، فقد سقط سقفهم فوق رؤوسهم بفعل الحق الذي أخفاه محمود سنوات طويلة.
عادوا جميعًا إلى بغداد، وإلى بيتهم الصغير الذي لم يتغير شيء فيه سوى أن الدفء أصبح أعمق، والروابط أشدّ. لم يعد محمود يخفي شيئًا، ولم يعد فؤاد غريبًا عن البيتأصبح للأطفال عمّهم الذي يزورهم ويجلس معهم، ويأتي لهم بالهدايا والضحكات، ويقول لهم دائمًا أخو أبيكم، وأخو أمكم، وأنا لكم جميعًا.
ذات يوم، جلست هاجر بجانب محمود على سطح البيت حين هدأت الدنيا، ونظرت إلى الزقاق المظلم الذي كان يملأها الخۏف فيه ذات ليلة، وقالت له كنتَ تحمل كل هذا وحدك، ولم تخبرني قطّ.
أخذها بيده وقبّل جبينها كنتُ أريد أن أعطيكِ حياة بسيطة يا هاجر، بعيدًا عن كل هذا العناء. لكن الحياة لا تسير دائمًا كما نريد. والجميل فيها أننا حين نكشف الحقيقة، نجد أننا لم نكن وحدنا أبدًا. كان فؤاد معنا، والله معنا، وأنتِ كنتِ أقوى مما أتوقّع.
ومن بعيد، وقف فؤاد ينظر إليهما بابتسامة، وعرف أن العدالة لا تأتي دائمًا بصوت عالٍ، بل تأتي أحيانًا كرجل يترك رقمًا على ورقة، وكلمة أخي حين لا يكون هناك إخوة.
انتهى الخۏف من بيت هاجر، وبقي المعروف يتوارث جيلًا بعد جيل، ويعلم الأولاد أن الأخوة ليست پالدم دائمًا، بل هي بالوفاء والصدق والوقوف بجانب من يحتاج إليكحتى في ليلةٍ ممطرة في بغداد، حين لا يملك أحدكم سوى الرقم المكتوب بخط اليد، والأمل الذي لا ېموت.
وما زالت هاجر تحتفظ بتلك الورقة القديمة، لا لشيء إلا لتعرف أن وراء كل كلمة صغيرة يقولها من نحبّ، قد يكمن سرّ عظيم، ومعروفٌ
لا يُحصى، وأخٍ سوف يأتيك قبل أن تدقّ الباب بنفسه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *