وانا براجع الكاميرات

كان عندي كاميرات مراقبة مخفية في كل أوضة في الفيلا.
مش عشان أنا مهووس بالمراقبة
لكن لأني اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الثقة في الشخص الغلط ممكن تكلّفك حياتك.
أنا خسرت مراتي بسبب الثقة.
وابني اللي عنده تمن سنين كان هيموت بسببها.
عشان كده، لما ركبت كاميرات في كل ركن في البيت، كنت متوقع أمسك حرامي أو واحد من رجالي بيبيعني أو حتى حد داخل البيت عشان يقتلني.
بس اللي شوفته في الليلة دي، وأنا قاعد قدام شاشات المراقبة، خلاني أواجه حقيقة كانت أصعب من أي خيانة ممكن أتخيلها.
اسمي عمر المنشاوي.
واللي زيي ما ينفعش يعيش وهو بيثق في الناس بسهولة.
بيتي كان فيلا ضخمة على طريق إسكندرية الصحراوي، حواليها أرض واسعة وسور عالي وبوابات حديد، وحراسة على مدار الساعة.
كان عندي كاميرات في كل حتة.
رجالة واقفة عند البوابات.
وعربيات مصفحة.
وكل حاجة تقريبًا محسوبة بالدقيقة.
ومع ذلك
البيت عمره ما حسسني بالأمان.
بالعكس.
كان عامل زي مقبرة كبيرة.
من حوالي سنة، وأنا راجع من اجتماع، العربية اللي راكبها اتفجرت.
الانفجار كان عنيف لدرجة إن العربية اترمت كام متر.
أنا نجيت بأعجوبة.
لكن مراتي
ما نجتش.
أما ابني آدم، فكان في العربية معانا.
هو كمان نجا، بس الإصابة قطعت الحبل الشوكي عند منطقة الصدر.
ومن يومها، ابني اللي كان بيجري في البيت طول اليوم، ويدخل عليا برجليه التراب ويقولي
بابا بص أنا عملت إيه!
بقى راجل صغير قاعد على كرسي متحرك.
وأصعب حاجة؟
إنه تقريبًا بطل يتكلم.
كنت أقعد بالساعات في أوضة المراقبة تحت الأرض، وأبص على الشاشة رقم أربعة.
الشاشة اللي كانت بتجيب أوضة آدم.
كنت بتفرج عليه وهو قاعد جنب الشباك بالساعات، ساكت، بيبص للشارع والليل من غير ما يقول كلمة.
لحد ما في يوم، حسن، المسؤول عن الحراسة، دخل مكتبي وقال
الست الجديدة وصلت يا باشا.
رفعت عيني من على الملفات.
دخّلها.
بعد دقيقة، دخلت واحدة اسمها سلمى حمدي.
كانت لابسة بالطو كحلي قديم، وجزمة باين عليها إنها شافت أيام كتير، وفي إيدها شنطة جلد صغيرة شكلها مستهلك من كتر الاستخدام.
وشها كان عليه إرهاق واضح.
لكن الغريب
إنها ما كانتش خايفة.
حطيت السيرة الذاتية بتاعتها قدامي.
وبصيت لها.
مفيش معاكي شهادة تمريض.
لأ.
اشتغلتي قبل كده في رعاية كبار السن؟
أيوه.
طب السنتين اللي اختفيتي فيهم من شغلك كانوا فين؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
كنت بشتغل شغلانات مؤقتة.
رفعت عيني لها.
وليه أختارك إنتِ بالذات؟
قالت بمنتهى الهدوء
عشان المرتب هنا تلات أضعاف أي مكان تاني.
اتكأت في الكرسي.
إنتِ فاهمة إن ابني مش حالة عادية؟
فاهمة.
وإن التعامل معاه مش سهل؟
فاهمة.
وإن لو حصل له حاجة، الموضوع مش هيعدي كده؟
بصتلي في عيني.
أنا أقدر أعمل له نقل من السرير للكرسي، أتابع أدويته، أغير له، أعمل له فحص للجلد، وأساعده في جلسات العلاج الطبيعي.
سكت شوية.
وبعدين قلت لها
آدم مش مجرد شغلانة. وإنتِ لو لعبتي بديلك هنا، ممكن تندمي إنك دخلتي البيت ده من الأساس. فاهمة أنا مين؟
قالت بمنتهى البرود
إنت الراجل اللي بيدفع المرتب في معاده.
لأول مرة من فترة طويلة
كنت هضحك.
بس مسكت نفسي.
وقلت
مش فارق معاكي أنا مين؟
هزت كتفها.
أنا مش جاية هنا عشان أعرف تجارتك ولا شغلك. أنا جاية عشان ابنك يفضل عايش، نضيف، واخد علاجه، وآمن طول فترة شغلي. المرتب يوم واحد وخمستاشر. وإحنا كده اتفقنا.
قامت من مكانها.
قلت لها
هو مش بيتكلم.
وقفت.
وممكن يكرهك.
ردت وهي بتاخد شنطتها
اتكرِهت قبل كده من ناس أحسن منه.
وبعدين قالت
وريني أوضته.
من أول يوم، بدأت أراقبها.
ومن تاني يوم، بقيت أراقبها أكتر.
ومن تالت يوم
ما بقيتش بسيب شاشة آدم تقريبًا.
كنت مستني أشوف الغلطة.
حركة غريبة.
مكالمة سرية.
فلوس بتتسرق.
أي حاجة تثبت إن إحساسي صح.
لكن مفيش حاجة حصلت.
سلمى ما كانتش بتبص على التحف الغالية.
ولا كانت بتحاول تتقرب من الحرس.
ولا كانت بتتملقني.
ولا مرة قالتلي
حضرتك شخص عظيم.
ولا مرة اهتمت تعرف أنا بملك إيه.
كانت كل تركيزها على آدم.
والأغرب من كل ده
إنها ما كانتش بتعامله كأنه عاجز.
في يوم، آدم رفض ياكل.
دخلت سلمى بالأكل، حطته قدامه، فقال لها بعينيه إنه مش عايز.
قالت
براحتك.
وحطت طبق الفاكهة جنب السرير.
وبعدين قالت
كل أو ما تاكلش. أنا مش فاتحة مطعم.
وقفت عند الباب، وبعدين بصت له وقالت
بس خلي بالك الزعل مش هيغير الأكل.
ومشيت.
كنت هضغط على زر الإنتركم وأقول لها
إنتِ بتكلمي ابني إزاي؟
لكن قبل ما أعمل كده
آدم مد إيده.
وأخد قطعة تفاح.
وأكلها.
فضلت باصص للشاشة وأنا مش مصدق.
حاجة صغيرة جدًا.
تفاحة.
لكن بالنسبة لي
كانت أول مرة أشوف ابني بيختار يعمل حاجة من نفسه من أكتر من سنة.
وفي ليلة الخميس
الدنيا كانت بتقلب.
المطر نازل بغزارة، والرعد كان مالي المكان.
البيت كله تقريبًا هادي.
وأنا كالعادة
قاعد قدام شاشات المراقبة.
لحد ما بدأت جلسة العلاج الطبيعي.
سلمى كانت بتحرك رجل آدم واحدة واحدة.
آدم كان متضايق جدًا.
إيده كانت ماسكة الملاية جامد.
وصوابعه متشنجة.
وبعدين شفت دمعة نزلت من عينه ووصلت عند ودنه.
جسمي كله شد.
وقلت
كفاية.
إيدي كانت هتمد ناحية زر الإنتركم.
لكن سلمى وقفت.
وبصت له.
وقالت
بصلي يا آدم.
فتح عينه.
قالت
إنت بتكره ده.
سكتت لحظة.
بتكره الكرسي.
وسكتت تاني.
وبتكره البيت ده.
آدم بص لها.
وبعدين قالت الجملة اللي أنا شخصيًا عمري ما قدرت أقولها لابني.
إنت بتكره إن أبوك كل ما يبصلك يحس إنه واقف قدام جنازة.
إيدي اتجمدت فوق الزر.
ما ضغطتش.
ولا حتى قدرت أتنفس.
سلمى كملت
وأنا مش بلومك.
اللي حصل لك مش عادل.
ومحدش يقدر يقولك إنك لازم تكون مبسوط.
قربت منه شوية.
وقالت
إنت من حقك تزعل.
من حقك تتعصب.
من حقك تكره اللي حصل.
وبعدين حطت إيدها بهدوء على رجله.
وقالت
بس لسه عندك اختيارات.
آدم فضل ساكت.
سلمى بصت له في عينه وقالت
يا إما تستسلم
وسكتت.
يا إما تخلي جسمك جاهز.
الدنيا مش هتقف عشان حصل لك حادث.
الدنيا هتكمل.
وبصوت أهدى قالت
والسؤال مش هو ليه ده حصل

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *