زميلي ج٣ حكايات بسمه
» قلت له بصوت دافي، صوت طالع من قلب مسامح بجد: «تبدأ من تحت خالص يا محمود… تبدأ بالشغل الحلال الشريف، حتى لو هتسوق توكتوك أو تشتغل عامل في محل! تبدأ بأنك تبني نفسك قرش بقرش بالحلال، وتثبت لعيالك ولمراتك ولنفسك إنك بقيت راجل بجد. ربنا بيقبل التوبة، أنت مين عشان تقفل باب ربنا في وش نفسك؟» سكت الشارع كله. وسكت محمود جوة. وفجأة… سمعت صوت حركة التراباس الحديدي بيتحرك! الباب اتفتح ببطء… وظهر محمود. كان واقف، ايده فيها سـ,ـكينة المطبخ، وشه مبلل بالدموع والعررق، وشعره منكوش. أول ما شافني واقف قدامه بثبات وابتسامة هادية… إيده اترخت، والسـ,ـكينة وقعت على الأرض ورنت في الصالة.
ارتمى في حضني وهو بيبكي بكل قوته، زي الطفل الصغير اللي كان تايه ولقى أمه! مسكته بقوة، والجيران دخلوا يجرو ويهدوه، ومراته ونزلت على الأرض تبكي وتدعي. قعدت معاه ساعتين في الشقة. هديته، وتكلمت معاه، وجبت له أكل، وجمعت الجيران الكبار في المنطقة، واتفقت مع واحد صاحب محل قطع غيار سيارات من معارفي إنه يشغله عنده بمرتب معقول يبدأ بيه حياته من جديد، بضمانتي أنا الشخصية! ولما جيت ماشي على الساعة 2 بالليل، محمود مشي معايا لحد العربية. وقف قدام الشباك، وبص لي بعيون جديدة خالص… عينين مفيهاش طمع، ولا غل، ولا ألاعيب.
عينين واحد اتولد من جديد. قال لي: «أحمد… أنا مش عارف أقولك إيه. أنت مش بني آدم… أنت ملاك ربنا بعته لي عشان ينقذني من جهنم في الدنيا والأخرة.» بتسمت له وقلت له: «أنا مش ملاك يا محمود… أنا بني آدم عادي. بس اتعلمت إن الجدعنة مش إنك تدي اللي بيحبك بس… الجدعنة والحق إنك تمنع الضعيف إنه يدمر نفسه حتى لو كان خصمك. اتعدل، وركز في شغلك الجديد، وراعي ربنا في عيالك.» دورت عربيتي ومشيت… وعلى طريق العودة للبيت، كانت شوارع القاهرة فاضية وهادية.
الشباك كان مفتوح، والهوا البارد بيدخل يلف وشي. حسيت براحة نفسية وعميقة عمري ما حسيت بيها في حياتي كلها. افتكرت بداية القصة… يوم ما أمي دخلت المستشفى، ويوم ما محمود بعت لي الرسالة الخبيثة، ويوم ما كان هيخرب بيتي. افتكرت قد إيه كنت مقهور ومظلوم ومصدوم في البداية… وكيف إن ربنا دار الأيام والسنين، وخلا النصر الصريح والكامل يكون من نصيبي، ومش بس كده… ده خلاني أكون السبب في هداية بني آدم وإنقاذ عيلة كاملة من الدمار!