اخويا اتجوز ومعزمنيش ج٢

​غمضت عيني.. الوحش اللي في صدري، غريزة الأم، كانت بتصرخ: أنتِ مريضة وقاسية لو قلتي لأ! ده أخوكي ومن دمك! أنتِ وعدتِ أمك!
​وبعدين شفت صورة تانية بنفس الوضوح: شفت الراجل ابو 29 سنة بالبرنس الستان ماسك كاس شربات وبيقولي “أنتِ بتفضحينا وبتكسفينا قدام الناس”، وساكت ومراته بتقولي “أنتِ تصعبي على الكافر”.
​فكرت في شقتي الهادية، في الـ 15 سنة اللي اديتهم له من عمري وما أقدرش أرجعهم تاني.. تعلييمي اللي راح.. حياتي اللي ما عشتهاش.
​فتحت عيني.. مطبخي نظيف، المكرونة مستنية، وحياتي بتاعتي.
​لما اتكلمت، ما كنتش زعلانة ولا باردة.. كنت هادية تماماً:
​—لأ يا يوسف.
​الكلمة اتعلقت في الجو.. هو سكت، أظن إنه افتكر إنه سمع غلط.. ما قدرش يستوعب الكلمة.
​—إيه؟ —وشوش—. مي.. إيه؟ قصيدك إيه؟ أرجوكي أنا..
​—لأ، —قلتها أثبت وأقوى—. مش هتيجي هنا. مفيش بيت ليك هنا، وما بقاش ليك وجود في حياتي اصلاً.
​—بس.. بس أنا أخوكي! —صرخ والهلع بيزيد في صوته لما لقى أخر أمل بيروح—. أنا ما حيلتيش حاجة! ما تقديش تعملي فيا كده!
​—أنت اللي عملت في نفسك كده، —قلت بصوت ثابت أوي ما عرفتوش—. أنت اخترت.. وقفت في الشقة واخترتها هي. سبت مراتك تسجلني وتهينني وتقولي تصعبي على الكافر، وقلتلي إني بكسفك، وقلت إنك عايز استقلال وحياة لوحدك.
​—بس ما كانش قصدي! —صرخ في التليفون—. أنا كنت غبي وغلطت غلطة عمري! أرجوكي!
​—صح، غلطت، —قلت له—. ودلوقتي لازم تتحمل نتيجة غلطتك. أنا مش شبكة الأمان بتاعتك تاني، ولا البنك بتاعك، ولا أمك.. أنا خلصت. أنت أردت تعيش من غيري، اتفضل عيش.
​سمعت صوت صاحبه مينا في الخلفية: “يا ابني خلص يلا عايز أمشي!”
​—لأ استنى! —يوسف صرخ برعب حقيقي—. مي ما تقفليش أرجوكي! أنا بحبـ…

​قفلّت. دوست على الزرار الأحمر. إيدي كانت بترتعش بس عملتها. دخلت على الأسماء وعملت بلوك للنمرة الغريبة. وقفت وبصيت من الشباك على البحيرة الهادية بالليل.. ما كنتش بعيط، ولا مبسوطة، ولا شمتانة.. حسيت بإني فاضية وخلاص قفلت الصفحة. العيل أبو 14 سنة اللي ربيته مات في الشقة ديكها.. ده كان مجرد شبح. وأنا أخيراً بقيت حرة بجد.
​الحاجة اللي محدش بيقولها لك عن الانتقام هي إن أنضف نوع انتقام مش عالي ولا فيه خناق ولا دراما ولا انك تؤذي القدامك.. أنضف انتقام هو إنك تتنفس وتعيش، إنك تاخد الطاقة اللي كنت بتبخها فيهم وترجعها لنفسك تاني.
​بعد المكالمة دي، كل ذنب وكل سلسلة كانت ربطاني بيه من 15 سنة اتكسرت. كنت شايلاه لفترة طويلة أوي وما كنتش مدركة هو تقيل قد إيه على روحي!
​ترقيت في شغلي وبقيت مديرة المكتب بمرتب محترم.. بقيت بشتري حاجات لنفسي: مرتبة مريحة جديدة، ملايات ناعمة، مكنة قهوة، ورد ونباتات ملية الشقة.
​سافرت.. ما رحتش أوروبا لأن دي كانت أمنيته هو اللي باعني عشانها.. أنا رحت الواحات وسانت كاترين، وقفت في الهدوء وأخدت نفسي. اتعرفت على أصحاب جداد في نادي الرحلات.. أصحاب بجد مش عايزين مني فلوس ولا خدمات.
​قريت كتاب عن “التربية العكسية وتحمل الأطفال مسؤولية أهاليهم” وفهمت إن اللي حصل ده ما كانش حنيّة أخت.. ده كان مرض وإنقاذ مبالغ فيه. أنا كنت المنقذ، وهو كان الضحية، وندى كانت شخصية جديدة عايزة تاخد دوري. ولما قلت “لأ”، أنا ما حطيتش حدود بس.. أنا نهيت المسرحية ونزلت من على المسرح.
​دخلت مسحت كل صوره من عندي.. مسحت حساب الفيسبوك بالكامل وألغيته، ومسحت كل صوره من على الموبايل. ده ما كانش غضب.. ده كان تنظيف وكنس لأخر تراب فاضل.
​بدأت أعمل خير.. بدل ما كنت بدي كل حاجة لشخص ما بيقدرش، بقيت بروح دار أيتام وجمعية رعاية حيوانات أساعد يوم السبت ساعتين.. بدمج وبدي من غير شروط، وكان إحساس جميل.
​وفي يوم أحد الصبح، كنت قاعد في البلكونة بشرب القهوة وبصيت للبحيرة، وفكرت في يوسف.. يا ترى هو فين دلوقتي؟ في الشارع؟ لقى شغل؟ جرى له حاجة؟
​صوت ذنب صغير حاول يتسلل: أنتِ اتخليتِ عنه.. أنتِ أخت قاسية وأمك كانت هتتكسف منك!
​أخدت بوق من القهوة وقلت بصوت عالي للهوا:
​—لأ.. أنا ما دمرتش حياته. أنا ما طردتوش من شغله، هو اللي أهمل. أنا ما اخترتش مراته، هو اللي اختارها. أنا ما خنتوش، هي اللي خانته. أنا ما استلفتش ربع مليون جنيه قروض.. هما اللي عملوا كده. أنا ما قلتلوش يسكت ومراته بتهينني.. هو اللي اختار يسكت. كل اللي عملته إني بطلت أدفع الثمن بداله! كل اللي عملته إني تنحيت من السكة.. أنا ما دمرتش يوسف، أنا ببساطة بطلت أنقذه من نفسه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *