الثلاجه

وهذا تقرير الخبيرة المعتمدة في الأخطاط، الذي يؤكد رسمياً أن التوقيع الموجود على التوكيل مزور ولا يمت لإمضاء موكلي بصلة، حيث أغفلت التزوير الثغرة الدقيقة في كتابة اسمه، وهي العاهة المستديمة التي يحملها في معصمه منذ عام 1985!”

سكتت القاعة تماماً. مكنش مسموع غير صوت أنفاس غيث العالية.

غيث وقف من مكانه، بص لرانيا وبص للورق.. عينيه كانت بتتنقل بين الملف المفتوح على ترابيزة القاضي وبين مراته.

“رانيا…” قالها بصوت مخنوق وخايف. “الكلام ده صح؟ أخوكي؟ والشركة؟”

رانيا ارتبكت، وحاولت تمسك إيده: “غيث حبيبي.. ده بيفتري عليا، هو مش فاهم حاجة.. الفلوس كانت بتروح لمصاريفه!”

فريدة قدمت كشف حساب الجمعية الخيرية: “مصاريفه؟ موكلي كان يعيش على كراتين الإطعام المجهزة من جمعية خيرية في حي الظاهر، بينما كانت المدعية تتسوق في دبي ولندن بفلوسه!”

القاضي رفع عينيه من الورق، وبص لرانيا ونظرت كانت حادة زي السيف. بعدها بصلي:

“عم إبراهيم.. عندك حاجة تحب تضيفها؟”

أنا وقفت بالراحة. بصيت لرانيا، وبعدين بصيت لـ غيث اللي كان بيبكي زي الطفل، مكسور ومنهار على الكرسي.

قلت للقاضي بصوت هادي وثابت:

“سيادة القاضي.. أنا اشتغلت مراجع مالي 42 سنة. علمتني السنين إن الكذب ممكن يلبس أحسن بدلة، ويتكلم بأحلى نبرة، بس لما يتحط قدام الحساب ختامي.. الأرقام هي اللي بتكسب.

أنا مكنتش خايف على الفلوس.. الفلوس بتروح وتيجي. أنا كان يوجعني إن ابني يعيش حياته فاكر إن أبوه خرفه أو باعه.. والحمد لله، الحقيقة ظهرت وهي ناصعة.”

القاضي خبط بالمطرقة وإدّى قراره فوراً:

“قررت المحكمة:

أولاً: رفض دعوى الحجر والوصاية وإلغاء كافة آثارها.

ثانياً: إحالة أوراق القض..ية بالكامل، بما فيها التوكيل المزور وكشوف الحسابات، إلى النيابة العامة للتحقيق في جناية تزوير واستيلاء على أموال الغير ضد المدعية رانيا وشقيقها أحمد.”

خرجنا من القاعة. رانيا كانت بتعيط بهستيريا والمحامي بتاعها بيحاول يغطي وشها من الناس والشرطة اللي بدأت تأمن الإجراءات.

غيث جيه ناحيتي.. قرب مني، وركبته خبطت في الأرض ونزل عند رجلي، مسك إيدي وباسها وهو بيعيط بحرقة:

“سامحني يا بابا.. أرجوك سامحني.. أنا كنت أعمى.. أنا سبتك في الثلج والبرد وأنا فاكر إني بؤمنك.. سامحني يا بابا!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *