يابابا
واحدة من جيرانها سألتها:
— “إلا هي فين مرات ابنك يا حاجّة كوثر؟”
أمي ابتسمت بلؤم ورفعت مناخيرها للسما:
— “في المطبخ.. مطرح ما هي المفروض تكون! والبنت معاها بتساعدها، عشان تتربى من صغرها تخدم وما تطلعش خايبة ولا خايبة زي أمها.”
شوية من الستات ضحكوا معاطس.
دمي اتجمد في عروقي. ما كانتش صدمة بس، كان شعور مرعب إن بيتي بقى بقاله شهور مليان خوف وذل، وأنا زي الأغبي كنت أعمى وأبكم.
بصيت على المطبخ..
فريدة كانت واقفة قدام الحوض، عرقتانة وهدومها مبلولة مية، وطرحتها مرحلة وشرط شعرها لزق في جبهتها من البخار. قدامها جبل موش طبيعي من الحلل الصدية، الأطباق، والكاسات. وجنبها، واقفة على كرسي بلاستيك صغير، كانت جنى.. بنتي اللي عندها 5 سنين، ماسكة صينية زجاج تقيلة جداً على إيديها الصغيرة.
المية السخنة بتنزل على صوابعها. إيد بنتي كانت حمرا ومورمة ومغطاة بصابون المواعين. ما كانتش بتبكي.. والسكوت ده دمرني أكتير من أي صريخ.
واحدة من الضيوف دخلت المطبخ رمت كوباية وسخة في الحوض وقالت بقلة أدب:
— “هاتيلي كوباية لمون بالنعناع تكون متلجة، وقطعي بطيخ بسرعة يا شاطرة.. يالله همتك معانا!”
فريدة وطت رأسها وانحنت:
— “حاضر يا فندم.. حاضر.”
لما لفت، شفت شاش مبلول ملفوف على صباعها، وبلقاعة حرق مفتوحة في معصمها، وعلامات زرقا على دراعها. في اللحظة دي، شنطة سفري وقعت من إيدي وإتهبدت على سيراميك الممر.
الضحك في الصالون اتفي في ثانية.
أمي لفت وشها، ولونها خطف وبقت زي العفريت.
فريدة فتحت عينيها على آخرهم وكأنها شافت ملاك الموت.
بس جنى.. بنتي ما جرتش عليا، ما ابتسمتش، وما قالتش “بابا!”.
أنا بس مسكت الصينية أكتر، ونزلت من على الكرسي، ومشت ناحيتي ببطء شديد. مسكت صباعي بإيدها المحروقة والمبلولة، وشاورت بإيدها التانية على درج واطي في المطبخ مقفول بمفتاح.. وقالت بصوت واطي ومكسور يقطع القلب:
— “بابا… أرجوك ما تمشيش تاني. تيتة قفلت على دوا ماما في الدرج ده عشان ما تطيبش، وقالتلي لو قلنالك.. هتطردنا في الشارع.”
تجمّد الكلمة في ودني. بصيت لأمي اللي وقفت فجأة وعصايتها اترعشت في إيدها، وبصيت لفريدة اللي انهارت وعينيها غرقانة دموع.
في اللحظة دي.. طارق القديم مات، والبيت ده كان لازم يتنضف فوراً.