يابابا

الجزء الثاني:

دخلت المطبخ من غير ما أسلم على مخلوق. أخدت الصينية الزجاج بالراحة من إيد جنى وشيلتها على دراعي. صوابعها الصغيرة كانت سقعانة، ملزقة، وخشنة قوي من كثرة الصابون والمية.

— “بتوجعني قوي يا بابا…”، همست في ودني وهي بتترعش. “بس أرجوك ما تقولش لتيتة، عشان ما تزعلش من ماما وتضربها.”

بصيت لفريدة. كانت بتحاول تستخبى ورا ضهري وتداري إيديها ورا ضهرها.

— “طرق… أرجوك، بلاش مشاكل وما تعملش شوشرة قدام الناس”، اترجتني وصوتها بيموت.

الكلمة دي ذبحتني أكتير من أي شتيمة. يا ترى كام مرة بلعت خوفها ووجعها عشان بس ما أثورش؟

مسكت إيديها بشويش وخلعت الجوانتي البلاستيك المبلول. إيديها كانت متشققة، ومورمة، وفيه جروح غويطة عند ضوافرها، غير حروق جديدة على دراعها وعلامات قديمة أنا عمري ما كلفت نفسي ألاحظها.

نزلت جنى على الأرض ووطيت لمستواها:

— “ادخلي أوضتك يا حبيبتي، اقفلي الباب على نفسك وما تخرجيش إلا لما أناديكي.”

سمعت الكلام على طول ودخلت جري، زي طفلة اتعودت إن الخوف هو الأصل.

دورت وشي ناحية الصالون ووقفت في النص:

— “اللمة دي خلصت! قدامكم 5 دقائق بالضبط، وكل واحدة تكون بره بيتي.”

في الأول محدش اتحرك، وواحدة من الجيران شعرها قصير ضحكت بقلة ذوق:

— “جرى إيه يا طارق يا بني! ما تكبرش الموضوع.. دي أمك بتعلمها الأصول والستات بتوع اليومين دول مابيقش يستحملوا كلمة!”

بصيت لها بنظرة ناشفة من غير ما أرمش:

— “أنا مش ابنك، وده مش بيت أمي. ده بيتي أنا وفريدة. اتفضلي قومي من على الكرسي وبره!”

أمي ضربت إيدها على الترابيزة بغل وقامت وقفت:

— “أنت هتصغرني وتهزأني قدام صحابي عشان حتة البتاعة الخايبة دي؟!”

فريدة انكمشت في نفسها وكأن الكلمة ضربتها بس\كينة.

— ” لا.. أنتي بتهيني نفسك بنفسك”، رديت عليها وأنا ماسك أعصابي بالعافية.

أمي اتجننت. مشيت ناحية البوتاجاز بسرعة الشيطان، ومسكت حلة كبيرة مليانة شوربة سخنة بتغلي، وقبل ما حد يستوعب، حدفتها بكل قوتها في وش فريدة!

ما فكرتش ولا ثانية.. أخدت الخطوة ووقفت قدام فريدة وسديت بجسمي.

السائل المغلي نزل ناره على كتفي، وصدري، ورقبتي. الوجع كان عمى، حريقة بتاكل في لحمي. فريدة صرخت بأعلى صوتها، والستات في الصالون قاموا يجوا ويتنططوا من الرعب، والحلة اتهبدت على الأرض ورنت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *