مريم وقفت ورا الباب، وحطت إيدها على قلبها اللي كان بيخبط بعنف. للحظة، افتكرت ليلة فرحها، وافتكرت وهي داخلة الشقة لأول مرة جنب أحمد، وهي مصدقة إنها أخيرًا لقت بيتها وسندها. لكن البيت اللي كانت فاكرة إنه هيكون أمانها، بقى في أقل من أربع وعشرين ساعة ساحة معركة. أحمد خبط تاني بعنف: — مريم! افتحي الباب بدل ما أعمل فضيحة في العمارة! إنتِ إزاي تغيري كالون الشقة من ورايا؟! قبل ما مريم ترد، باباها قرب منها وقال بهدوء: — سيبيه يخبط يا بنتي. بصت له باستغراب. — بس يا بابا... حط إيده على كتفها وقال: — مفيش راجل محترم يرجع بيته بعد اللي عمله، ويكسر الباب على مراته بدل ما ييجي يتكلم مع أهلها. هو اختار أسلوبه، وإحنا هنختار أسلوبنا. أخوها الكبير قرب من الباب وقال بصوت مسموع: — أحمد! ابعد عن الباب. سكت أحمد ثواني، وبعدها قال بعصبية: — وإنت مالك؟ دي مراتي ودي شقتي! ضحك أخو مريم ضحكة قصيرة من غير أي فرحة: — شقتك؟! غريبة دي... الصبح كنتوا بتجمعوا جهاز أختي وتحاولوا تطلعوها من بيتها، ودلوقتي افتكرت إنها شقتك؟ أحمد اتلخبط. — أنا جاي أصلح الموضوع. باب مريم اتفتح أخيرًا... لكن فتحة صغيرة. ظهر والدها، ووقف في وش أحمد. أحمد أول ما شافه، حاول يغير نبرة صوته: — يا عمي، أنا والله ما كنت أقصد أزعل مريم. الموضوع كله سوء تفاهم. والد مريم بص له طويلاً. — سوء تفاهم؟ — أيوة. — يعني أمك دخلت شقة بنتي الساعة أربعة الفجر بمفتاح إنت اللي اديتهولها، ولمّت جهازها في كراتين، وإنت كنت عارف وموافق... وكل ده سوء تفاهم؟ أحمد بلع ريقه. — يا عمي، أمي كانت فاهمة إن ده في مصلحة البيت. — مصلحة مين؟ سكت أحمد. — مصلحة أختي دينا. هنا خرجت مريم من خلف والدها، ووقفت بثبات. — قولها يا أحمد... قول الحقيقة كلها. بص لها. — حقيقة إيه؟ — إنك كنت ناوي تنقل حاجتي لشقة أمك، وتديني أوضة هناك، وتدي شقتي لأختك. أحمد حاول يتهرب: — مريم، الموضوع مش بالشكل ده. — أمال شكله إيه؟ — إنتِ مراتي، يعني المفروض نقف جنب أهلي. مريم هزت رأسها بأسى. — أقف جنب أهلك من عيوني يا أحمد. أساعد دينا، وأقف جنبها، وأشيل معاها لو أقدر... لكن مش على حساب حقي، ومش غصب عني، ومش بسرقة مفتاح بيتي وأنا نايمة. والدها قاطعه: — اسمع يا ابني. إحنا مش جايين نعمل حرب بين عيلتين، ولا بنتنا هتتحول لعدوة لأمك أو لأختك. لكن في حدود. والحدود دي لما اتكسرت من أول صباح جواز، يبقى لازم نقف ونفهم كل واحد حجمه ومسؤوليته. أحمد بص لمريم. — طب ما ترجعيش الموضوع لخناقة. أنا غلطت، خلاص. مريم ردت بهدوء: — غلطت إزاي؟ — إني اديت أمي المفتاح. — وبس؟ — وإني وافقتها تنقل الحاجات. — وبس؟ أحمد سكت. — وإنك كنت ناوي تخرجني من بيتي؟ هنا نزل عينيه للأرض. — كنت فاكر إنك هتوافقي. مريم ابتسمت ابتسامة موجوعة. — ودي أكبر مشكلة فيك يا أحمد. إنك ما سألتنيش. قررت عني، وخطت مع أمك، واستنيت تنفذوا الخطة وأنا نايمة. أخوها قال بغضب: — والموضوع ده انتهى. أختي مش هتعيش في بيت حد يخطط عليها من وراها. أحمد رفع عينه له: — يعني إيه انتهى؟ — يعني يا إما تدخل بيتك كراجل وتتحمل مسؤولية قراراتك، وتحط حدود واضحة، يا إما كل واحد يروح لحاله. أحمد اتوتر. — أنا بحب مريم. مريم ردت فورًا: — الحب مش كلمة يا أحمد. سكت الجميع. كملت: — الحب إنك تحس إن اللي جنبك أمان. إنك لما تنام وتدي ضهرك لجوزك، تبقى واثقة إنه مش هيبيعك عشان يرضي حد. أنا مش زعلانة إنك عايز تساعد أختك... أنا مكسورة لأنك شفت مساعدتها أهم من كرامتي وأماني. عيني أحمد لمعت. — أنا غلطت. والد مريم قال: — الغلط يتصلح بالفعل، مش بالكلام. أحمد بص له. — أعمل إيه؟ — أول حاجة، أمك ما تدخلش الشقة دي تاني من غير إذن بنتي. تاني حاجة، مفيش حاجة من جهازها هتطلع من هنا. تالت حاجة، موضوع شقة أختك يتقفل. لو عايز تساعدها، ساعدها من مالك، من شغلك، من أي طريقة ترضاها زوجتك، لكن مش بملك بنتي. أحمد هز رأسه. — حاضر. مريم بصت له طويلاً. — ولسه في حاجة أهم. — إيه؟ — أنا مش هقدر أرجع أثق فيك في يوم وليلة. اتصدم أحمد. — يعني إيه؟ — يعني الجوازة مش هتستمر لمجرد إننا لسه متجوزين من يوم. ومش هتخلص لمجرد إن أول يوم كان وحش. إحنا هنقعد مع أهلنا بكرة، ونشوف هل أنت فعلًا قادر تكون زوج مستقل ومسؤول عن بيتك... ولا لسه ابن أمه في كل قرار. والدها أومأ برأسه. — وده الصح. لا نستعجل في الطلاق، ولا نجبرها على الرجوع. أحمد فضل واقف قدام الباب، مكسورًا ومحرجًا، وبعد لحظة قال: — طب أدخل؟ مريم بصت لأبوها. والدها قال: — القرار قرارها. مريم سكتت شوية، وبعدين قالت: — لأ. أحمد رفع عينه. — ليه؟ — لأنك راجع النهارده عشان "تربي" مراتك، مش عشان تعتذر لها. لما ترجع بكرة وتيجي تتكلم باحترام قدام أهلي، ساعتها نبقى نشوف. أحمد اتنهد. — حاضر. استدار ومشي في الممر. لكن قبل ما يدخل السلم، سمع صوت أخته من وراه: — أحمد! لف بسرعة. كانت دينا واقفة عند أول السلم، وعينيها مليانة دموع. — ماما قالتلي إن مريم طردتك من البيت. أحمد بص لها باستغراب. — مريم ما طردتنيش. — أمال إيه اللي حصل؟ سكت لحظة، وبعدين قال: — إحنا كنا غلطانين يا دينا. دينا شهقت: — إحنا؟ — أيوة... إحنا. كانت دي أول مرة أحمد ينطق الحقيقة بصوت واضح. لكن المفاجأة الحقيقية كانت لما دينا قالت: — أحمد... أنا أصلًا ما طلبتش منك تاخد شقتها. اتجمد مكانه. — إيه؟ — أنا قلت لماما إني مش عايزة أخرب بيتك. أنا كنت محتاجة مساعدة في الإيجار، مش شقة مريم. أحمد فضل باصص لها كأنه لأول مرة يشوفها. — ماما قالت إنك موافقة. دينا هزت رأسها: — ماما قالتلي إن مريم أكيد هتوافق لما تعرف إن الموضوع عشان ابني. في اللحظة دي، أحمد حس إن الأرض بتنسحب من تحت رجليه. بص ناحية شقة مريم، والباب المقفول قدامه. ولأول مرة فهم إن المشكلة ما كانتش في الشقة. المشكلة كانت في قرار اتاخد باسمه، وفي أم اعتقدت إن من حقها تدير بيت ابنها، وفي زوج صدق إن طاعة أمه معناها إنه يظلم زوجته. وفي الشقة، كانت مريم قاعدة جنب أبوها، ماسكة المفاتيح الجديدة في إيدها. نهى بصت لها وقالت: — إيه يا مريم؟ حاسة بإيه دلوقتي؟ مريم بصت للمفتاح، وقالت: — لأول مرة من الصبح... حاسة إن البيت رجع بيتي. أمها مسحت دموعها وقالت: — وربنا يصلح الحال يا بنتي. الجواز مش معركة، بس كمان مش معناه إن الواحد يلغي نفسه. مريم هزت رأسها. — أنا مش عايزة أطلق عشان أثبت إني قوية... ومش عايزة أكمل عشان الناس تقول عليا مطلقة بعد يوم. بصت للباب. — أنا عايزة أشوف أحمد هيختار إيه لما محدش يختار له. وفي نفس اللحظة، رن موبايلها. الاسم اللي ظهر على الشاشة كان: أحمد. لكن الرسالة المرة دي ما كانتش منه. كانت من دينا. فتحت مريم الرسالة، وقرأت: "مريم... أنا آسفة. في حاجة لازم تعرفيها عن اللي حصل قبل فرحك، وأنا ما كنتش قادرة أقولها." مريم رفعت عينيها ببطء ناحية نهى. — شكله في حاجة تانية إحنا ما نعرفهاش... ونهى قربت منها: — افتحي الرسالة. حكايات منــال عـلـي مريم ضغطت على الشاشة... وكانت أول سطر في الرسالة كفيل يقلب كل اللي حصل من أول ليلة جواز رأسًا على عقب. "أحمد كان عارف من قبل الفرح إن الشقة باسمك، لكن أمي ما كانتش عايزة دينا تعرف إن في خطة تانية..."