سلايفي ج٢ اماني السيد
جوزي وقف مبرق، حس إنه صغر قوي، وبقى شكله عيل صغير وسط رجالة بجد بيعلموه الأدب والأصول. بص للعيال وبص لأبويا وقال بنبرة مكسورة ومخضوضة من شيلة العيال لوحده:
“يعني إيه يا عمي؟ هتخربوا بيتي؟ طب والعيال دول ذنبهم إيه أسيبهم فين وأنا بنزل شغلي؟”
أبويا ضحك ضحكة سخرية رنت في الصالة وقاله:
“والله دي مشكلتك أنت يا شاطر.. زي ما شيلت أختي الهم والذوق، شيل أنت بقى مسؤولية عيالك. بنتي هتقعد هنا، والباب ده مش هتعتبه تاني ولا هتشوف وشها، إلا لما تعرف قيمتها وتيجي وأنت شايل كفنك على إيدك، وتعتذر لها قدام أهلك وإخواتك كلهم نفر نفر، وتعملها قيمة تندمهم على اليوم اللي فكروا يلمحوا لها بكلمة.. وتعرف إن ليها ضهر يهد بلد لو حد فكر يمس طرفها.”
أخويا مسك جوزي من كتفه بكل عزم، ولفه ناحية الباب وقاله بلغة حاسمة:
“يلا يا بابا.. اتفضل برة من غير مطرود، والعيال أهم في إيدك.. ورونا الهمة بقى يا أبو العيال!”
جوزي لقى نفسه متدبس، شال ابنه الصغير وبنته في إيده ووشه في الأرض من كتر الخزي والكسرة، وخرج يجر أذيال الخيبة، والباب اتقفل وراه رقعة واحدة.
أبويا التفت ليا، وطبطب على كتفي وقاللي: “ارفعي راسك يا بنتي، طول ما فيا نفس في الدنيا دي، محدش يقدر يكسرلك عين ولا يقلل من قيمتك.. سيبيه يربيه الزمان، عشان يعرف إن الله حق.”
فاتت تلات أيام، وتليفوني اللي كنت فتحته عشان أطمن على العيال بس، مابطّلش رن. مكالمات من حماتي، ورسايل من إخواته، وهو باعت يجي خمسين رسالة كلهما رجاء على شوية عتاب متداري في كسرة نفس.
طول التلات أيام دول، كان عايش في “جنة” العيال لوحده. عرفت من أخته الصغيره — اللي كلمتني وهي مستخبية — إن البيت عنده بقى يضرب يقلب. العيال مبهدلين الدنيا عياط، والبيت مكركب، وهو مش ملاحق بين نزول الشغل الصبح، ويرجع يلاقي البيت يضرب يقلب، ولا عارف يطبخ لقمة، ولا عارف يغسل غيار للعيال. وسلايفه اللي كانوا مأنتخين في الصالون؟ مفيش واحدة فيهم خطت عتبة بيته ولا قالت له “أعملك لقمة للعيال يا سلفي”. كله نفض إيده وسابه في حوسته.
على العصر كدة في اليوم الرابع، الباب خبط. أخويا فتح، ولقينا جوزي واقف، بس المرة دي مكنش داخل بعصبية ولا عروق نافرة زي المرة اللي فاتت. المرة دي كان داخل وشه في الأرض، شايل في إيده سبت ورد كبير، وعلبة شوكولاتة غالية، ووراه حماتي داخلة بوش كشر بس باين عليه الحرج.