ساعتان للرحيل عندما طردت ابني من بين العمر شروق خالد

ابني وقف على باب أوضة نومي، مربع إيده، وبكل بجاحة قالي لمي هدومك واطلعي بره البيت.. البيت اللي أنا وأبوه قضينا 34 سنة من عمرنا بندفع تمنه شقى وتعب. بس اللي “ياسين” مكنش يعرفه، إن قبلها بيوم -وهو ومراته فاكرين إني تعبانة وتايهة وخلاص كبرت وممكن يرموني في أي وقت- كنت أنا في وسط البلد، قاعدة قدام المحامي بتاعي، وغيرت حاجة واحدة بس كانت كفيلة تهد كل خطتهم فوق دماغهم.
كان عندي 67 سنة، واقفة في أوضة نومي وساندة بإيد بتترعش على الكومودينو لأن رجلي مكنتش شايلاني. شمس الصبح كانت باهتة على درج الساعات القديم بتاع “حسن” جوزي الله يرحمه. الأوضة كانت ريحتها خشب وبخور ونضافة، بس قطع الريحة دي كرتونة قديمة كانت شايلاها “هبة” مرات ابني، وكأنها شايلة حكم إعدامي.
ياسين كان واقف مربع إيده على الباب.
وهبة وراه.
والكرتونة كانت مفتوحة وجاهزة.
“يا ماما،” ياسين قالها ببرود يقبض القلب، “قدامك ساعتين بالظبط وتكوني بره.”
ساعتين!
دي الخلاصة اللي طلعوا بيها من عمري كله.

ساعتين عشان أسيب البيت اللي ربيت ياسين فيه. ساعتين عشان أمشي وأسيب الستائر الزرقاء اللي حسن اختارها وقالي إنها شبه لون عينيا. ساعتين عشان أسيب الطرقة اللي كنت بقيس فيها طول ياسين بالقلم الرصاص سنة ورا سنة، وهو بيضحك وبيحاول يشب على طرطيف صوابعه عشان يبان أطول.
هبة قربت وهي بتكلمني بصوتها الواطي “المسهوك” اللي بتستخدمه لما تحب تغلف قسوتها بكلمات معقولة:
“يا طنط مرثا، البيت ده بقى حمل عليكي.. السلالم، والغسيل، والجنينة. إحنا خلاص شفنالك شقة صغيرة ومريحة هتعجبك.”
شفنالك شقة!
بصيت للكرتونة اللي في إيدها وشوفت طرف بلوفر حسن مطبق جواها. كانت بدأت تلم هدومي من غير ما حد فيهم يجرؤ يواجهني.
الموقف ده كان كفيل يكسرني.. بس مكسرنيش.
لأن الحكاية دي مبدأتش النهاردة الصبح. بدأت من شهور، لما ياسين وهبة نقلوا عاشوا معايا “فترة مؤقتة” بعد ما خسر فلوسه في صفقة مشبوهة عمره ما شرحها بوضوح. في الأول صدقت، زي أي أم عايزة تصدق إن ولادها سكن وسند، وإن الشدة هتخليهم أحسن، وإن الوحدة بعد حسن خلت قلبي وجعني بس مخي لسه شغال.
شوية بشوية، البيت مابقاش شبهي.
هبة بدأت تنقل الأباجورات.. الستائر.. الأطباق. كرسي حسن اللي كان بيقعد يقرأ عليه اترمى في الجراج تحت كراتين زينة رمضان بحجة إنه “موضة قديمة”. بدأت تقول على حاجتي كراكيب، ومالهاش لازمة. ياسين بدأ يسأل أسئلة غريبة: “يا ماما إنتي عملتي وصية بعد بابا؟”، “هو البيت لسه باسمك لوحدك؟”، “مش عايزة تريحي دماغك من الحوارات دي وإنتي لسه ‘بكامل قواكي العقلية’؟”
“بكامل قواكي العقلية”.. الجملة دي خلت دمي يتجمد.
في ليلة، وأنا ماشية جنب المطبخ، سمعت هبة بتوشوشه: “لو البيت كان باسمك، مكناش هنعيش العيشة دي.”
وياسين رد عليها: “عارف.”
بعد أسبوع، فيه أوراق اختفت من درج مكتبي وظهرت تاني. مرة تانية هبة صممت تيجي معايا للدكتور وفضلت ترغي مع الممرضة وأنا في الحمام. بعدها بدأت تطلع نغمات من كل حتة: “إنتي شكلك تعبانة”، “إنتي بقيتي تنسي يا طنط”، “البيت ده بقى تقيل عليكي.”
مكنوش بيساعدوني. . كانوا بيفصلوا “حكاية” عليا عشان يخلصوا مني.
امبارح، وهما خارجين مع ابنهم الصغير “نوح”، أخدت كل ورقة أملكها ورحت للأستاذ لبيب، المحامي اللي أنا وحسن بنتعامل معاه من سنين. قعدت قدامه وحكيتله كل حاجة.
الوشوشة.. الضغط.. الأوراق اللي بتختفي.. أسئلة ياسين.. نظرات هبة لدفتر شيكاتي.
الأستاذ لبيب سمعني في سكات، وسحب ورقة من الأوراق اللي أنا مكنتش مضيت عليها ولقيتها في الدرج، وقراها مرتين.
وشه اتغير تماماً.
“يا مدام مرثا،” قال بحذر، “دي مش ورقة تأمين.. ده عقد تنازل عن الملكية.”
ريقي نشف. كان ناقص يمضوني وأنا مش دريانة ويطلعوني من بيتي “بالقانون”. في اللحظة دي، فيه حاجة جوايا هديت.. هدوء مرعب. كنت عايزة أصرخ بس بدالها حطيت إيدي على المكتب وقلتله: “أنا لازم أعمل إيه؟”
وعملت. حدثت وصيتي، وقفت أي ثغرة في البيت، نقلت مدخراتي، وحطيت حماية قانونية لنفسي. وأخدت قرار ياسين وهبة عمرهم ما يتخيلوه إلا لما يكون الوقت فات.
ودلوقتي، ابني واقف في أوضة نومي بيطردني.
“عايزني أروح فين؟” سألته.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *