قسوه ام ج1 اماني السيد
الست اللي جايبها وقفت تبتسم بنصر، كأنها بتستعرض قوتها على ج*ثة هامدة. قسوة الموقف ما كانتش بس في الضرب، ولا في الشتيمة اللي تهين أي بني آدم.. القسوة الحقيقية كانت في إحساس العجز المطبق، إني مكسورة من العصب، ومفيش باب واحد في الدنيا ممكن أهرب ليه.
سحبني من شعري وهبدني على الأرض جنب رجليها، وقالها بضحكة خبيثة: “اهي عندك اهي.. علّميها الأصول عشان تعرف مقامها صح”.
هي قربت مني بكل غل، ووطّت عشان تجيبني من الطرحة، وفي لحظتها عينها جت في عيني.. شفت فيها كمية شماتة تخلي الدم يتجمد. ضربتني بالقلم وهي بتقولي بصوت واطي ومسموم: “أصلك مش فاهمة يا شاطرة.. اللي ملهاش أهل يترد عليهم، بتبقى خدامة تحت رجلين اللي يسوى واللي ما يسواش”.
الكلمة دي بالذات نزلت عليا زي التلج. أمي هي اللي سلّمتني للذل ده، هي اللي كسرت سيفي وقالتلهم دي مالهاش ظهر.
قمت بال بالعافية، الدموع كانت مغرقاني والصوت محبوس في زوري، ومشيت بخطوات تقيلة ومكسورة للطفشة أو المطبخ عشان أبدأ تنفيِذ الأوامر. كل خطوة كانت كأنها مسامير بتتدق في كرامتي.
سمعت ضحكهم العالي من الصالة، وصوت المزيكا اللي شغلوها عشان يحتفلوا بكسرتي. وقفت قدام الحوض، مسكت وشي بين إيديا المترعشة، وبصيت في المراية.. ما عرفتش الست اللي واقفة قدامي. الوش المترب، والعين المطفية، والعلامات الزرقا اللي على وشي.. كل ده كان حقيقة واحدة بس: إن اللعبة خلصت، وإني بقيت أسرية في بيتي.
بس جوة الكسرة دي، وجوة الخوف اللي شلني من اسم أمي.. كان في حاجة تانية ابتدت تتولد، حاجة شبه الرماد اللي تحته نار مكتومة. لما الإنسان يوصل للقاع تماماً وميبقاش خايف من خسارة أي حاجة تانية.. ساعتها بس، بيستوعب إن النجاة مش هتجيله من باب حد تاني، يا إما هيدوس على خوفه ويخرج نفسه بنفسه، يا إما هيموت في مكانه بالبطيء.
مسحت الدموع اللي مغرقة وشي بقسوة، وغمضت عيني لحظة وسط صوت ضحكهم المالي الصالة. الخوف اللي كان مشلّل حركتي بدأ يتحول لشيء تاني خالص.. شيء أشبه ببرود الموت. لما تفقد كل حاجة، حتى حقك في البكاء، ما بيبقاش عندك حاجة تخاف عليها.
طلعت من المطبخ وأنا شايلة الصينية، حطيتها قدامهم على الترابيزة من غير ما أرفع عيني.
هو بصلّي بغرور، وحط رجله على الترابيزة وقال بسخرية: “أهو كده.. تتعلمي الأدب وتعرفي إنك هنا للخدمة وبس، عشان لو فكرتي تاني تطولي لسانك، المرة الجاية مش هكتفي بالقلم.. هخليها تدوس على وشك بالجزمة”.