زعيم المافيا حكايات ميرا

الهرب عبر السلم الخلفي.
لكن نورا كانت أول من وقف في طريقه.
أمسكت ماسورة حديد كانت ملقاة على الأرض، وضربته بكل قوتها على ساقه.
سقط وهو يصرخ.
وصل ديمتري إليه ببطء.
نظر إليه طويلًا.
ثم قال
خمس سنين… وأنا مستني اللحظة دي.
لكن بدلًا من أن يطلق النار عليه…
ألقى سلاحه على الأرض.
ثم اتصل بالشرطة.
قال بهدوء
عندي مطلوب للعدالة… اعرفوا تستلموه.
نظر إليه فيكتور غير مصدق.
هتسلمني؟
أجاب ديمتري
الموت راحة…
وأنت ما تستحقهاش.
بعد دقائق، وصلت الشرطة لتجد أفراد العصابة مقيدين، وآدم وإيفان سالمين.
احتضنت نورا ابنها بقوة وهي تبكي للمرة الأولى منذ سنوات.
ابتسم ديمتري وهو يراقبهما من بعيد.
اقترب منه إيفان وقال
وفيت بالدين أخيرًا؟
أجاب وهو ينظر إلى نورا وآدم
لا…
بعض الديون… لا تُسدد أبدًا.
النهاية تجمدت نورا وهي تنظر إلى الصورة.
ثم سألت بصوت خافت
يعني… كل اللي حصل كان مجرد بداية؟
هزّ إيفان رأسه ببطء.
فيكتور كان بينفذ أوامر… أما صاحب الأوامر، فهو أخطر رجل عرفته المنظمة.
فتح حقيبة جلدية قديمة كان يحملها معه منذ سنوات.
أخرج منها ملفًا أصفر باهتًا.
وضعه أمام نورا.
على الغلاف كُتب بخط اليد
لا يُفتح… إلا إذا عاد أندريه.
شعرت بقشعريرة.
فتح إيفان الملف.
كانت بداخله صورة لرجل في الستين من عمره، يرتدي بدلة رمادية، ويبتسم بهدوء.
لا يبدو مجرمًا…
بل أستاذًا جامعيًا.
قال إيفان
اسمه أندريه موروزوف.
قبل خمسة وعشرين سنة، كان هو العقل اللي بيدير كل شيء من الظل.
ماكانش يطلق رصاصة بنفسه…
لكنه كان يقرر مين يعيش… ومين يموت.
وأول قرار أخده…
كان قتل والد ديمتري.
نظرت نورا إلى الصورة مرة أخرى.
وفجأة…
شعرت أنها رأت هذا الوجه من قبل.
أغمضت عينيها تحاول التذكر.
ثم اتسعت عيناها فجأة.
مستحيل…
التفت إليها إيفان بسرعة.
عرفتيه؟
قالت وهي تخرج هاتفها.
فتحت صورة قديمة التقطتها قبل أسبوع في افتتاح المقهى.
كانت تلتقط صورة مع الزبائن.
وفي الخلف…
كان يجلس رجل مسن يقرأ جريدة.
كبّرت الصورة.
إنه هو.
أندريه.
كان يجلس في المقهى يراقبها.
منذ أسبوع كامل.
ساد الصمت.
قال إيفان بصوت مرتجف لأول مرة
يبقى هو سبقنا.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف نورا.
رقم مجهول.
ترددت لثانية…
ثم أجابت.
جاءها صوت هادئ، يحمل ثقة مرعبة
صباح الخير يا نورا.
واضح إنك شفتِ صورتي.
تجمد الدم في عروقها.
قال الرجل
متتعبيش نفسك تدوري عليّ.
أنا اللي هاجيلك.
بس المرة دي…
مش علشان أقتلك.
علشان أقدملك عرضًا.
لو وافقتِ…
ديمتري هيعيش.
ولو رفضتِ…
الأطباء هيعلنوا وفاته قبل شروق الشمس.
ثم أغلق الخط.
نظرت نورا نحو غرفة العناية المركزة، حيث كان ديمتري يصارع الموت.
ثم قبضت على الهاتف بقوة.
وقالت بصوت ثابت، رغم الخوف الذي يملأ قلبها
لو فاكر إني هسيبك تكسب…
يبقى لسه ماعرفتنيش.
يتبع…مرّت عشر دقائق…
لكنها بدت لنورا كأنها عشر سنوات.
كانت تحدق في باب غرفة العناية المركزة، بينما أجهزة المراقبة في الداخل تصدر صفيرًا متقطعًا.
خرج الطبيب مسرعًا.
قال بقلق
السم بينتشر أسرع من المتوقع.
لو ملقيناش الترياق خلال ساعات… هنخسره.
أغلق الطبيب الباب من جديد.
في تلك اللحظة، رن هاتف نورا مرة أخرى.
الرقم نفسه.
أجابت دون تردد.
قال أندريه بهدوء
لسه قدامك فرصة.
عايز إيه؟
الملف.
عقدت حاجبيها.
أي ملف؟
ضحك ضحكة قصيرة.
الملف اللي إيفان مخبيه من خمسة وعشرين سنة.
الملف اللي فيه أسماء كل الناس اللي خانوني وسرقوا إمبراطوريتي.
سلّميه…
وخدي الترياق.
نظرت نورا إلى إيفان.
كان وجهه شاحبًا.
همست
عنده حق؟
أطرق الرجل العجوز رأسه.
ثم قال بصعوبة
الملف موجود فعلًا…
لكن لو وقع في إيده، هيرجع يبني المنظمة من جديد.
ساد الصمت.
كان الاختيار مستحيلًا.
إما حياة ديمتري…
أو إنقاذ مدينة كاملة من رجل لا يعرف الرحمة.
وبينما كانت نورا تحاول التفكير…
دخل أحد الحراس راكضًا.
لقينا واحد من رجال أندريه!
أُدخل رجل مصاب إلى الغرفة، ويداه مقيدتان.
ابتسم رغم الدم الذي يغطي وجهه.
وقال بثقة
حتى لو قتلتوني…
مش هتعرفوا مكان الترياق.
اقتربت منه نورا.
ثم نظرت إلى جيب سترته.
كان هناك قلم معدني فاخر.
تذكرت شيئًا.
قبل أسبوع، عندما رأت أندريه في المقهى…
كان يحمل القلم نفسه.
ابتسمت فجأة.
قال إيفان باستغراب
بتبتسمي ليه؟
أخرجت القلم من جيب الرجل.
لفّت الجزء العلوي منه.
فانفتح من الداخل.
وسقطت شريحة إلكترونية صغيرة على الأرض.
التقطها أحد خبراء ديمتري بسرعة، ووصلها بالحاسوب.
ظهرت خريطة.
وفي منتصفها نقطة حمراء واحدة…
مكتوب بجوارها
المختبر.
ابتسم إيفان لأول مرة منذ سنوات.
وقال
أندريه ارتكب أكبر غلطة في حياته…
افتكر إن أتباعه أوفياء بنفس الدرجة اللي هو مخلص لنفسه.
رفع ديمتري، الذي كان لا يزال فاقدًا للوعي، يده فجأة حركةً خفيفة، كأنه يقاوم الموت.
نظرت إليه نورا وهمست
استحمل…
إحنا جايين نرجعك.
وفي الخارج…
انطلقت السيارات السوداء مرة أخرى.
لكن هذه المرة…
لم تكن المهمة للانتقام.
بل سباقًا مع الزمن…
لانتزاع الترياق قبل أن تتوقف نبضات الرجل الذي لم ينسَ يومًا المرأة التي أنقذت حياته.
يتبع…انطلقت ثماني سيارات في وقت واحد.
لكن إيفان أوقف الموكب قبل أن يغادر بوابة المستشفى.
قال بحزم
لا… أندريه عارف إننا هنروح للمختبر.
كل اللي هناك هيكون فخ.
سأل أحد الحراس
أمال نعمل إيه؟
ابتسم الرجل العجوز.
نبعتهم كلهم… إلا الشخص اللي هيدخل بجد.
نظر الجميع إليه.
ثم إلى نورا.
هز رأسه.
هو عايزها هي.
بعد دقائق…
كانت السيارات السوداء تتجه إلى المختبر المهجور، بينما خرجت نورا وحدها في سيارة أجرة صفراء قديمة، لا يرافقها سوى سائق مسن لا يعرف شيئًا.
وصلت إلى مبنى صغير على أطراف المدينة.
كان يبدو مهجورًا.
لكن الباب كان مفتوحًا.
دخلت بحذر.
فوجدت أندريه جالسًا وحده أمام طاولة خشبية.
وأمامه…
زجاجة صغيرة شفافة.
ابتسم عندما رآها.
كنت واثق إنك هتيجي.
نظرت إلى الزجاجة.
ده الترياق؟
نعم.
لكن مش هتاخديه ببلاش.
أخرج ملفًا قديمًا ووضعه على الطاولة.
امضي هنا.
فتحت نورا الملف.
كان عقدًا ينقل إليه كل المستندات التي يحتفظ بها إيفان، ويمنحه السيطرة على شركات وأموال كانت مخفية منذ سنوات.
قالت ببرود
يعني عايز ترجع تبني إمبراطوريتك.
ابتسم.
بالضبط.
سكتت نورا لثوانٍ.
ثم أمسكت القلم.
بدأت توقع.
ابتسم أندريه منتصرًا.
لكن قبل أن تنتهي…
قالت فجأة
عندي سؤال.
اتفضلي.
إنت ليه سيبتني أعيش بعد ما عرفت إني أنقذت ديمتري؟
ضحك بهدوء.
لأني كنت محتاج حد يبقى نقطة ضعفه.
وفي اللحظة التي أنهى فيها الجملة…
ضغطت نورا بالقلم بقوة على الطاولة.
انكسر القلم.
وانطلقت منه إبرة دقيقة جدًا، غرست في يد أندريه.
قفز من مكانه.
عملتي إيه؟!
ابتسمت لأول مرة.
نفس الغلطة اللي عملتها من خمس سنين…
استخدمت أدوات طبية.
بدأ جسده يرتجف.
قال وهو يلهث
ده… ده إيه؟
ردت
مجرد مهدئ قوي.
مش هيقتلك…
بس هيخليك تنام شوية.
وفي اللحظة نفسها…
تحطم الزجاج.
واقتحم رجال ديمتري المكان من كل الجهات.
حاول أندريه الهرب.
لكن قدميه خانتاه.
سقط على الأرض قبل أن يصل إلى الباب.
أسرع إيفان إلى الطاولة، وخطف زجاجة الترياق.
ثم انطلق بها إلى المستشفى.
بعد ساعة…
وقف الجميع خارج غرفة العناية المركزة.
حقن الطبيب الترياق في الوريد.
مرت دقيقة…
ثم دقيقتان…
وفجأة…
ارتفع صوت جهاز نبض القلب بقوة.
فتح ديمتري عينيه ببطء.
أول شخص رآه…
كان نورا.
ابتسم ابتسامة متعبة.
وقال بصوت خافت
واضح إنك… أنقذتِ حياتي للمرة التانية.
لم تستطع نورا منع دموعها.
ضحكت وسط بكائها وقالت
خلاص… اعتبر الدين اتسد.
ابتسم ديمتري وهز رأسه.
لا…
بعض الناس…
بيبقوا عيلة.
والعيلة…
ملهاش ديون.
النهاية بعد عام واحد…
لم يعد أحد يذكر اسم أندريه.
اختفى نفوذه، وصودرت شركاته، وتفرقت بقايا رجاله.
أما ديمتري…
فنفذ وعده.
ترك معظم أعماله غير القانونية، وباع الكثير من ممتلكاته، وحوّل شركات الشحن والبناء إلى أعمال قانونية.
كان الطريق طويلًا…
لكنه أراد أن يعيش حياة لا يطاردها الدم.
وفي صباح ربيعي هادئ…
كان مقهى نورا مزدحمًا كعادته.
آدم، الذي أصبح في التاسعة من عمره، كان يساعد أمه في ترتيب الطاولات.
رفع رأسه فجأة وهو يبتسم.
عمو ديمتري جه!
دخل ديمتري وهو يحمل علبة صغيرة مخملية.
ضحكت نورا.
كل مرة تيجي بهدية… أنا هفلس.
ابتسم وقال
دي مش هدية.
جلس أمامها، ووضع العلبة على الطاولة.
فتحتها ببطء.
كان بداخلها مفتاح قديم من الفضة.
سألته باستغراب
مفتاح إيه ده؟
أجاب

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *