زعيم المافيا حكايات ميرا
من يد المدير.
كان الاسم وحده كافيًا ليعرف الجميع من يقف أمامهم.
الرجل الذي تسيطر منظمته على الموانئ وشركات الشحن ونصف تجارة المدينة.
زعيم المافيا الذي لا يراه الناس إلا في الأخبار.
أما نورا…
فلم تشعر إلا بالغضب.
قالت بحدة
لو كنت عرفت حقيقتك وقتها… كنت سيبتك تموت.
ساد صمت ثقيل.
ثم…
ضحك ديمتري لأول مرة.
ضحكة قصيرة وصادقة.
وقال
عشان كده كنت لازم أخفي اسمي.
لكن ابتسامته اختفت فجأة عندما دخل أحد رجاله مسرعًا.
اقترب وهمس في أذنه.
في أقل من ثانية…
تغير وجه ديمتري بالكامل.
استدار نحو نورا وسأل بصوت منخفض
هو عندك طفل اسمه آدم؟
اتسعت عيناها.
أيوه… ليه؟
رفع الرجل نظره إليها وقال الجملة التي جمدت الدم في عروقها
لأنه اختفى من المدرسة من عشر دقائق…
والناس اللي خدوه…
سابوا رسالة باسمك.
يتبع…تجمدت نورا في مكانها.
كأن الكلمات فقدت معناها.
ثم سقطت الصينية من يدها، وتناثر الزجاج على أرض المطعم.
همست بصوت مرتعش
مستحيل… آدم لسه كلمني قبل ساعة.
أخرجت هاتفها بسرعة.
اتصلت بابنها.
الهاتف مغلق.
مرة…
ومرتين…
وثلاثًا.
النتيجة نفسها.
شعرت بأن قدميها لم تعودا تحملانها.
لكن ديمتري كان قد بدأ يتحرك بالفعل.
أخرج هاتفًا مشفرًا، وقال ببرود
أقفلوا كل مخارج المدينة.
خلال ثوانٍ، بدأت الأوامر تنتقل عبر السماعات.
فريق ألف للميناء.
فريق باء للمطار.
راقبوا كل الكاميرات من آخر ساعتين.
نظر إليها وقال
من النهارده… ابنك ابني لحد ما يرجع.
لن يلمسه أحد.
بعد أقل من خمس دقائق…
دخل رجل يحمل جهازًا لوحيًا.
قال بسرعة
لقينا العربية.
ظهرت صورة سيارة فان بيضاء على الشاشة.
لكنها كانت محترقة بالكامل في مخزن مهجور.
همست نورا
يا رب…
رد الرجل
العربية كانت تمويه.
الولد مش جواها.
اقترب ديمتري من الشاشة.
ثم أوقف الصورة بإصبعه.
كان هناك انعكاس صغير على زجاج محل مقابل.
كبّر الصورة.
ظهرت شاحنة سوداء لا تحمل لوحات.
ابتسم ابتسامة باردة.
لقيتكم.
التفت إلى رجاله.
دي شغلة فيكتور مارينو.
ساد الصمت.
أحد الحراس قال بقلق
لكنه مات من سنتين.
هز ديمتري رأسه.
لا…
اللي مات كان أخوه.
أما فيكتور…
فكان مستني اللحظة اللي يقدر يوجعني فيها.
ونورا هي نقطة ضعفي الوحيدة اللي عرف يوصلها.
نظرت إليه بدهشة.
أنا؟
قال بهدوء
يوم أنقذتِ حياتي…
أصبحتِ مسؤوليتي.
واللي يقرب منك…
يبقى أعلن الحرب عليّ.
وفي اللحظة نفسها…
رن هاتف ديمتري.
فتح مكبر الصوت.
خرج صوت رجل خشن مليء بالسخرية
خمس سنين وأنا مستني اليوم ده.
عايز الولد؟
هات نفسك للمكان اللي بدأت فيه حكايتك…
شقة نورا القديمة.
وجاي لوحدك.
وإلا الصبح هتبقى بتدفن الطفل.
انقطع الاتصال.
ساد صمت ثقيل.
ثم رفع ديمتري رأسه ببطء.
ابتسم ابتسامة أرعبت كل من حوله.
وقال
أكبر غلطة عملها…
إنه افتكر إني هاجي لوحدي.
ثم التفت إلى خمسين رجلًا كانوا قد اصطفوا خارج المطعم، وقال بصوت هادئ
الليلة…
هننهي حرب بدأت من خمس سنين.
يتبع…انطلقت عشرات السيارات السوداء في شوارع المدينة كالسهم.
لكن…
على عكس ما توقع الجميع، لم يكن ديمتري داخل أيٍ منها.
كان يعرف أن فيكتور يراقب كل طريق.
وأي موكب سيقوده مباشرة إلى الفخ.
لذلك، بعد دقائق، خرج من الباب الخلفي للمطعم مرتديًا سترة عامل نظافة برتقالية، وإلى جواره نورا في سيارة توصيل طعام قديمة لا تلفت الانتباه.
نظرت إليه بدهشة.
أنت… زعيم مافيا، وراكب عربية توصيل؟
أجاب وهو يقود بهدوء
اللي يعيش طويلًا… يتعلم يخدع قبل ما يهاجم.
…
في الوقت نفسه…
داخل شقة نورا القديمة.
كان آدم مقيد اليدين، لكنه لم يكن يبكي.
كان ينظر إلى الرجل الجالس أمامه بثبات.
ابتسم فيكتور بسخرية.
مش خايف؟
رد الطفل بصوت صغير
ماما قالتلي… اللي يخاف يخسر.
ضحك الرجل بصوت عالٍ.
ثم أشار إلى أحد رجاله.
صوّر الفيديو.
اقترب الرجل بالكاميرا.
لكن قبل أن يبدأ…
رن هاتف فيكتور.
نظر إلى الشاشة.
ابتسم.
وصل.
أغلق الهاتف، ثم التفت إلى رجاله.
استعدوا.
بعد أقل من دقيقة…
وقف ديمتري أمام باب العمارة القديمة وحده.
رفع يديه ببطء ليؤكد أنه غير مسلح.
ومن نافذة الطابق الثالث، ظهر فيكتور وهو يصفق ببطء.
كنت عارف إنك هتيجي.
رد ديمتري بهدوء
سيب الولد… وخدني.
ضحك فيكتور.
بعد خمس سنين… أخيرًا بقي عندك نقطة ضعف.
في تلك اللحظة…
صدر صوت خافت جدًا.
تك.
لم ينتبه له أحد.
لكن ديمتري ابتسم.
ثانية واحدة فقط…
وانطفأت كل أنوار العمارة بالكامل.
غرق المكان في ظلام دامس.
تعالت صرخات رجال فيكتور.
الكهرباء قطعت!
في حد جوه!
وفجأة…
انطلقت قنابل دخانية من النوافذ.
امتلأ المبنى بالدخان الكثيف.
وبين الفوضى…
بدأ رجال ديمتري، الذين كانوا قد تسللوا قبل ساعة عبر المبنى المجاور وأنفاق الصيانة القديمة، بالسيطرة على الطوابق واحدًا تلو الآخر.
سمع فيكتور صوتًا خلفه.
استدار بسرعة…
لكن الأوان كان قد فات.
وقف ديمتري أمامه مباشرة.
وعيناه مليئتان بالغضب.
قال بصوت بارد
اللعبة انتهت.
أما فيكتور…
فابتسم ابتسامة غامضة وقال
متأكد؟
ثم ضغط بإبهامه على زر صغير كان يخفيه في كفه…
يتبع…كان من الممكن أن تنتهي الحكاية هناك…
لكن بعد ثلاثة أشهر…
في السادسة صباحًا، كانت نورا تفتح المقهى الصغير الذي اشترته بعد أن رفضت أن تأخذ ثروة ديمتري.
وافقت فقط على قرض بلا فوائد، وأصرت أن تسدده بنفسها.
كانت ترتب أكواب القهوة عندما توقفت سيارة سوداء أمام المقهى.
ابتسمت وهي تتمتم
أكيد جاي يشرب قهوة ببلاش.
لكن…
لم ينزل ديمتري.
بل نزل أحد رجاله، وملامحه شاحبة.
دخل مسرعًا وقال
لازم تيجي حالًا.
شعرت نورا بأن قلبها انقبض.
في إيه؟
أجاب بصوت منخفض
السيد ديمتري اتضرب بالنار.
…
داخل المستشفى الخاص…
كان الطابق بالكامل محاصرًا بالحراس.
الأطباء يخرجون ويدخلون بسرعة.
اقتربت نورا من غرفة العمليات، لكن أحد الحراس أوقفها.
قبل أن تتكلم…
فتح باب العمليات.
خرج الطبيب وهو يخلع قفازيه.
قال
الرصاصة كانت قريبة جدًا من القلب… لكنه عاش بمعجزة.
تنفست نورا الصعداء.
لكن الطبيب أكمل
في مشكلة تانية…
الرصاصة كانت مسمومة.
ساد الصمت.
قال الطبيب
السم نادر جدًا… وأمامنا أقل من أربع وعشرين ساعة.
وفي تلك اللحظة…
وصل ظرف أبيض إلى المستشفى.
فتحوه بسرعة.
كانت بداخله صورة قديمة.
صورة لنورا…
ليلة أنقذت ديمتري قبل خمس سنوات.
وعلى ظهر الصورة كُتبت جملة واحدة بالحبر الأحمر
الديون القديمة انتهت… الآن يبدأ الثأر.
رفعت نورا الصورة بيد مرتجفة.
ثم همست
يعني… فيكتور ماكانش العقل المدبر؟
أجاب إيفان، الذي كان يقف خلفها بصوت ثقيل
لا…
كان مجرد جندي.
أما الشخص الحقيقي…
فهو الرجل الذي أمر بقتل والد ديمتري قبل خمسةٍ وعشرين عامًا.
والكل كان يظن أنه مات.
لكن يبدو…
أنه عاد.
يتبع…صدر صوت صفير حاد.
ولثانية واحدة…
توقف الجميع عن الحركة.
نظر رجال ديمتري إلى بعضهم بقلق.
أما ديمتري، فلم يرمش حتى.
قال بهدوء
قنبلة؟
ابتسم فيكتور ابتسامة واسعة.
لا…
أحسن من كده.
فتح الباب الخلفي للغرفة ببطء.
ودخل أربعة رجال وهم يدفعون رجلًا مسنًا مكبل اليدين.
ما إن رآه ديمتري…
حتى تغير وجهه لأول مرة.
همست نورا بدهشة
مين ده؟
قال فيكتور وهو يضحك
تعرفيه؟
ده إيفان بيتروف… الرجل اللي ربّى ديمتري بعد مقتل أبوه.
كان بالنسبة له أكثر من أب.
اقترب أحد رجال فيكتور، ووضع المسدس على رأس الرجل العجوز.
قال فيكتور
عندك اختيار واحد.
يا تنقذ الطفل…
يا تنقذ الراجل اللي ضحى بعمره عشان يربيك.
ساد صمت ثقيل.
كانت عينا آدم مليئتين بالخوف، لكنه لم ينطق بكلمة.
أما الرجل العجوز، فرفع رأسه بصعوبة وقال لديمتري
أوعى تختارني…
أنقذ الولد.
أغمض ديمتري عينيه للحظة.
ثم فتحهما.
وقال بصوت هادئ بشكل مرعب
وأنا… مين قال إني هختار؟
عقد فيكتور حاجبيه.
وفي اللحظة نفسها…
صرخت نورا
تحت الكرسي!
نظر الجميع دون وعي.
كان هناك سلك رفيع يمتد من الزر الذي ضغطه فيكتور إلى عبوة متفجرة مثبتة أسفل المقعد الذي يجلس عليه آدم.
لكن نورا لاحظت شيئًا آخر.
السلك كان مقطوعًا من منتصفه.
تجمد فيكتور.
إيه؟!
ضحك صوت من خلفه.
استدار بسرعة…
ليجد أحد رجاله ممددًا على الأرض فاقد الوعي.
وفوقه وقف رجل من حراس ديمتري يحمل كماشة صغيرة.
قال بابتسامة
وصلنا قبل نص ساعة.
وفصلنا كل المفاجآت.
في اللحظة التالية…
اندفع رجال ديمتري.
دوى إطلاق النار في أنحاء المبنى.
وفي أقل من دقيقة، سقط معظم رجال فيكتور.
حاول فيكتور