زعيم المافيا حكايات ميرا

زعيم المافيا لم ينسَ المرأة التي أنقذت حياته… وبعد خمس سنوات عاد ليسدد الدَّين
كانت الأمطار تضرب المدينة بعنف، تغسل رائحة الدم والنحاس من الشوارع، وكأنها تحاول محو خطايا الليل.
قبل خمس سنوات، أخفت نورا رجلاً يحتضر داخل دولاب شقتها، بين المعاطف القديمة، بينما كانت كشافات الشرطة تجوب غرفة المعيشة. لم تسأله عن اسمه، ولم تعرف من يكون… كل ما أرادته هو أن تتوقف صفارات الشرطة.
ظنت أنها اشترت سلامها بزجاجة فودكا رخيصة، وبعض المستلزمات الطبية التي سرقتها من العيادة، وإبرة خياطة عقمتها بولاعة.
لكن في تلك المدينة…
الديون لا تسقط بالتقادم.
بل تكبر… حتى يحين موعد سدادها.
والرجل الذي دخل شقتها ذات ليلة وكتفه مثقوب برصاصة… عاد بعد خمس سنوات.
لكن هذه المرة…
لم يأتِ طالبًا النجاة.
بل جاء ليرد الدين.
كان يوم ثلاثاء عندما قرر القدر أن ينزف أمام باب نورا.
كانت في الثانية والعشرين من عمرها، تعيش على أربع ساعات من النوم يوميًا، وكوب قهوة رخيص حامض المذاق يبقيها واقفة على قدميها.
شقتها الصغيرة في أحد الأحياء الشعبية كانت بالكاد تتسع لسرير وخزانة ومطبخ ضيق. رائحة الرطوبة والكرنب المسلوق لا تفارق المكان، والإيجار كان ثلاثمائة دولار تدفعه نقدًا لصاحب عقار لا يعرف سوى الصراخ وتهديد السكان بالطرد.
الساعة كانت الثانية وأربع عشرة دقيقة بعد منتصف الليل.
المطر كان غزيرًا لدرجة أنه ابتلع أصوات المشاجرات والسيارات وكسر الزجاج المعتادة في الحي.
جلست نورا على سريرها المهترئ تحدق في فواتير الكهرباء والمياه المتراكمة…
وفجأة…
ارتطم شيء بنافذتها بقوة.
لم يكن طرقًا.
بل جسدًا ثقيلًا ارتطم بالزجاج ثم انزلق ببطء.
تجمد الدم في عروقها.
أول ما فعلته، بدافع غريزة البقاء، هو إطفاء المصباح الوحيد في الغرفة.
غرقت الشقة في الظلام، ولم يبقَ سوى ضوء عمود إنارة مكسور بالخارج يرسل ومضات صفراء باهتة.
حبست أنفاسها.
لم تسمع سوى المطر…
ثم جاء صوت احتكاك

ضعيف عند باب الشقة.
التقطت المقلاة الحديدية الثقيلة من فوق البوتاجاز، وسارت حافية القدمين نحو الباب.
لم تستخدم العين السحرية… فقد كانت مكسورة منذ سنوات.
وضعت أذنها على الباب.
هناك شخص يتنفس.
أنفاس متقطعة…
ثقيلة…
ومليئة بالألم.
فتحت الأقفال واحدًا تلو الآخر، ثم فتحت الباب مسافة سنتيمترات قليلة.
وفجأة…
سقط جسد رجل إلى الداخل، ودفع الباب بقوة.
تراجعت نورا وهي ترفع المقلاة استعدادًا لضربه.
كان الرجل ممددًا على الأرض، نصف جسده داخل الشقة والنصف الآخر تحت المطر.
معطفه الأسود غارق بالماء…
وبالدم.
كانت بقعة الدم تكبر فوق السجادة القديمة عند المدخل.
وصلتها الرائحة فورًا…
رائحة الحديد والدم والمطر.
همست بتوتر
يا أستاذ… قوم… مينفعش تفضل هنا.
لم يتحرك.
وفي اللحظة نفسها…
دوّت صفارات الشرطة في الشارع القريب.
تجمد قلبها.
لو وجد رجال الشرطة رجلًا ينزف داخل شقتها، فلن يصدق أحد أنها بريئة.
ألقت المقلاة على الأرض، أمسكت الرجل من معطفه، وبدأت تجره بكل قوتها.
كان ثقيلًا بصورة مرعبة.
وكل خطوة كانت تترك خلفها أثرًا من الدم.
بصعوبة أدخلته بالكامل، ثم أغلقت الباب وأحكمت الأقفال.
ازدادت أصوات سيارات الشرطة.
الأضواء الحمراء والزرقاء انعكست على ستائر الشقة.
في تلك اللحظة…
تأوه الرجل.
ثم أمسك كاحلها بقوة جعلتها تكاد تصرخ.
كانت يده باردة ومغطاة بالدم.
فتح عينيه بصعوبة وقال بصوت خافت لكنه آمر
اخرسي.
قبل أن تستوعب ما يحدث…
دوّى طرق عنيف على النافذة.
الشرطة! افتحي الباب!
قفز قلب نورا من مكانه.
نظرت للرجل…
ثم إلى الدولاب الضيق بجوار الحمام.
سحبته بسرعة حتى أخفته بين المعاطف القديمة والمكنسة الكهربائية، وألقت فوق ساقيه كومة من الملابس المتسخة.
أغلقت الباب وهمست
لو سمعت صوت واحد منك… انتهينا إحنا الاتنين.
ركضت إلى المطبخ، أمسكت بزجاجة كلور، وسكبتها على بقع الدم عند المدخل.
ثم أخذت فوطة قديمة ومسحت الأرض بسرعة.
بعثرت شعرها، وأسقطت ياقة التيشيرت عن كتفها، ثم فتحت الباب والسلسلة ما زالت في مكانها.
قالت بنبرة نعاس مصطنعة
خير؟
وقف أمامها شرطيان يبتلّان تحت المطر.
أحدهما سلط الكشاف داخل الشقة.
قال
بندور على راجل لابس معطف أسود. جرى ناحية الحارة دي.
ردت
كنت نايمة… ومسمعتش غير صوت المطر.
قال بحدة
افتحي الباب بالكامل.
رفعت حاجبها وقالت
معاكم إذن تفتيش؟
نظر إليها طويلًا.
ثم مرر ضوء الكشاف داخل الشقة.
توقف عند الفوطة المبللة…
ثم عند رائحة الكلور القوية.
ابتسمت بخفة وقالت
وقعت مني القهوة واضطريت أمسح الأرض.
ظل ينظر إليها في صمت.
وفجأة انطلق صوت اللاسلكي
المشتبه فيه اتشاف عند شارع رابع.
استدار الشرطيان بسرعة وغادرا.
أغلقت نورا الباب، وأسندت ظهرها إليه وهي ترتجف.
مرت خمس دقائق كاملة قبل أن تفتح الدولاب.
كان الرجل قد فقد وعيه.
لم تتصل بالإسعاف.
سحبته إلى الحمام، وأضاءت المصباح الأبيض القاسي، ثم خلعت معطفه.
رصاصة اخترقت كتفه الأيسر وخرجت من الجهة الأخرى.
الجرح كان بشعًا.
أحضرت الشاش والأدوات الطبية التي سرقتها من العيادة، وزجاجة فودكا رخيصة، وإبرة خياطة عقمتها بالنار.
سكبت الكحول على الجرح.
استفاق الرجل صارخًا من شدة الألم.
قالت بصرامة
استحمل… وإلا هرميك بره.
نظر إليها بعينين تمتلئان بالحمى والغضب…
ثم أمسك حافة حوض الاستحمام وتركها تكمل.
أغلقت الجرح بغرز بدائية لكنها متماسكة، ثم لفّت كتفه بالشاش.
لم تواسه.
ولم يشكرها.
بعد أن انتهت، خرجت إلى المطبخ، تقيأت في الحوض، وغسلت وجهها، ثم جلست على الكرسي الوحيد حتى أشرقت الشمس.
في السابعة صباحًا…
دخلت الحمام.
لكن الرجل كان قد اختفى.
ولم يترك خلفه سوى ورقة نقدية ملطخة بالدم فوق حافة الحوض.
مرت خمس سنوات.
أصبحت الذكرى مجرد ندبة لا تؤلم إلا إذا لمستها.
كانت نورا قد بلغت السابعة والعشرين.
طُردت من العيادة بعدما اكتُشفت سرقة المستلزمات الطبية.
وأصبحت تعمل نادلة في مطعم شعبي يفتح طوال الليل، بين المنطقة الصناعية ووسط المدينة.
حياتها تحولت إلى روتين بارد.
تستيقظ مساءً…
ترتدي زيًا باهت اللون…
تملأ أكواب القهوة المحروقة…
وتتجاهل العالم.
كانت قد أقنعت نفسها أن الطموح يجلب الوجع…
وأن الاهتمام بالناس ليس سوى فخ.
لكنها لم تكن تعلم…
أن الدين الذي ظنت أنه انتهى قبل خمس سنوات…
كان على وشك أن يعود ويقلب حياتها رأسًا على عقب.
حكايات_ميرااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا
في الساعة الحادية عشرة وثماني دقائق مساءً، كان المطعم شبه فارغ.
آخر زبون أنهى قهوته وغادر، ولم يبقَ سوى صوت الثلاجة القديمة وصفير الزيت في المطبخ.
كانت نورا تمسح الطاولة الأخيرة عندما توقفت فجأة.
ثلاث سيارات سوداء فاخرة توقفت أمام المطعم في وقت واحد.
نزل منها رجال يرتدون بدلات سوداء، وسماعات صغيرة في آذانهم.
تحركوا بسرعة، وانتشروا أمام الباب وكأنهم يؤمنون موقعًا عسكريًا.
همس الطاهي بخوف
يا ساتر… دول مين؟
قبل أن يجيب أحد…
انفتح الباب.
ودخل رجل طويل القامة، يرتدي معطفًا أسود أنيقًا، وخلفه حارسان.
ساد الصمت.
حتى الملاعق توقفت عن الحركة.
رفع الرجل عينيه، وبحث في الوجوه، حتى استقرت نظرته على نورا.
أما هي…
فتجمدت.
كان وجهه أكثر قسوة، وشعره يحمل خصلات رمادية خفيفة، لكن عينيه…
عينيه لم تتغيرا.
هما نفس العينين اللتين نظرتا إليها من أرضية حمامها قبل خمس سنوات.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
همست دون وعي
أنت…
ابتسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت.
وقال
أخيرًا وجدتك.
اقترب مدير المطعم مرتبكًا.
حضرتك… تحب تطلب إيه؟
أخرج الرجل ظرفًا أبيض ووضعه على الطاولة.
ثم قال بهدوء
أنا مش جاي آكل.
أنا جاي أوفي دين.
فتح المدير الظرف…
ثم شهق.
كان بداخله عقد شراء المطعم بالكامل.
قال الرجل وهو ينظر إلى نورا
من اللحظة دي… المكان ده بقى ملكك.
شهقت نورا.
إيه؟
ده جزء بسيط من حقك.
هزت رأسها بعنف.
أنا مش فاهمة… أنا عملت اللي أي إنسان ممكن يعمله.
ابتسم بمرارة.
لا…
أي إنسان كان هيسلمني للشرطة.
لكن إنتِ خيطتي جرحي بإبرة خياطة… وخاطرتي بحياتك.
اقترب خطوة أخرى.
اسمي ديمتري فولكوف.
وفور أن نطق اسمه…
سقط كوب القهوة
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *