قصه منال علي
فتح أبوها الملف بإيد مرتعشة، وأول ما وقعت عينه على الورقة، وشه اصفر، بينما سناء شهقت وقالت بسرعة:
“الورقة دي مزورة!”
نور بصتلها بثبات وقالت: “غريب… مع إن الشهر العقاري أكدلي إن التوكيل ده اتلغى من سنين بسبب بلاغ تزوير، وإن الملف اتفتح من جديد بعد ما ظهرت النسخة الأصلية.”
هاني قام واقف بعصبية وقال: “إحنا مالنا بالكلام ده؟ إحنا جينا نتكلم في الشقة.”
ردت نور وهي بتطلع ورقة تانية: “لأ… أنت ليك علاقة أكتر من أي حد. لأن توقيع الشاهد التاني على الورقة دي هو توقيعك.”
سكت هاني فجأة، وبص لأبوه، كأنه بيستنجده.
أبوها صرخ: “كنتوا عايزين إيه دلوقتي؟ تحبسوني؟”
قالت نور والدموع في عينيها: “أنا كنت عايزة أب يعرف يعني إيه عدل… مش أكتر.”
في اللحظة دي شريف مد إيده وحطها على كتفها، وقال: “كفاية يا نور.”
لكنها هزت راسها وقالت: “لسه.”
طلعت ظرف صغير من الملف، وقالت: “الظرف ده أمي ادته للمحامي قبل ما تموت، وقالت مايتفتحش إلا لو حد حاول ياخد حقي.”
فتحت الظرف، وكان جواه جواب بخط أمها.
بدأت تقرأ بصوت عالي:
“لو وصلتي للجواب ده، يبقى للأسف أبوكي اختار يظلمك. الشقة دي اتدفعت من تعبي أنا وبنتي، ومحدش له فيها مليم. ولو حاولوا ياخدوها، اعرفي إن الحق عمره ما بيضيع.”
انفجرت سناء في البكاء، بينما أبوها قعد على الكرسي وهو مش قادر يرفع عينه.
هاني تمتم: “أنا… أنا كنت فاكر إن الورقة قانونية.”
ردت نور: “حتى لو كانت قانونية… كان يهون عليك تاخد بيت أختك؟”
ماعرفش يجاوب.
جمعت نور الأوراق بهدوء، وقالت: “من النهارده، العلاقة بينا هتبقى في حدود الاحترام وبس. بيتي مش هيتفتح لحد جاي يطمع فيه، واللي بينا هيسيبه القانون والضمير.”
خرج أبوها وهاني وسناء من الشقة في صمت، لأول مرة من غير ما حد يحاول يبرر أو يلوم.
قفلت نور الباب، وسندت ضهرها عليه، وانهارت في البكاء.
ابتسم شريف وسط دموعه وقال: “النهارده أمك كسبت… لأنها ربت بنت تعرف تحافظ على حقها.”
رفعت نور عينيها لصورة أمها المعلقة على الحائط، وهمست: “وعدك يا أمي… ما ضيعتش حقي.”
بعد أسبوع، كانت نور فاكرة إن كل حاجة خلصت… وإن المواجهة اللي حصلت على السفرة كانت آخر فصل في الحكاية.
لكن في صباح يوم هادئ، جرس الباب رن.
لما فتحت، لقت مأمور المحكمة واقف ومعاه ظرف رسمي.
وقّعت باستغراب، وقفلت الباب، وفتحت الظرف.
كان فيه دعوى قضائية… أبوها رافعها عليها، بيطالب فيها بإبطال عقد ملكية الشقة، وبيزعم إنها اشتريتها بفلوس أمها وهو صاحب الحق فيها.
بصت لشريف، وابتسمت ابتسامة كلها وجع.
وقالت: “لسه مصر يكسب… حتى بعد كل اللي عرفه.”
في أول جلسة، أبوها دخل المحكمة وهو رافع راسه، وسناء وهاني وراه.
لكن المفاجأة كانت إن المحامي اللي كانت أم نور مسيباله الظرف، حضر ومعاه ملف أكبر بكتير من الملف الأزرق.
وقف قدام القاضي وقال:
“معايا كشوف تحويلات بنكية، وإيصالات، وشهود، وتسجيل موثق بصوت المرحومة قبل وفاتها بأسبوع، بتوضح فيه بالتفصيل مصدر تمن الشقة، وكمان بتشرح إنها كانت خايفة من اللي هيحصل بعد موتها.”
اتبدلت ملامح أبوها.
أما هاني، فكان بيهرب بعينه من أي حد يبصله.
بعد عدة جلسات، صدر الحكم.
رفض الدعوى بالكامل.
وأثبتت المحكمة ملكية نور الكاملة للشقة، وأشارت في أسباب الحكم إلى وجود شبهة تزوير في بعض المستندات القديمة، وأحالتها للجهات المختصة للتحقيق.
خرجت نور من المحكمة وهي حاسة إن حمل سنين اتشال من على قلبها.
لكنها، رغم كده، ما فرحتش.
لأن الخصم كان أبوها.
بعد شهور، سمعت إن أبوها تعب جدًا، ودخل المستشفى.
شريف سألها: “هتروحي؟”
فضلت ساكتة شوية، وبعدين قالت:
“أنا مش رايحة عشان أنسى اللي عمله… أنا رايحة عشان ضميري.”
دخلت عليه الأوضة.
كان أضعف بكتير من آخر مرة شافته.
أول ما شافها، دموعه نزلت.
قال بصوت مكسور:
“سامحيني يا نور… أنا فضلت ابنّي على بنتي… وافتكرت إن اللي بيخلف أكتر، يستحق أكتر.”
قعدت قدامه بهدوء.
وقالت:
“أنا سامحتك كأب… لكن اللي اتكسر بينا عمره ما هيرجع زي الأول.”
مد إيده المرتعشة، فمسكتها لثواني.
ثم قامت في هدوء.
قبل ما تخرج، قال لها:
“أمك… كانت عندها حق.”
ابتسمت نور وسط دموعها، وردت:
“أيوه… وكانت دايمًا بتقول إن الحق بيتأخر… لكنه عمره ما بيضيع.”
خرجت من المستشفى، ورفعت وشها للسماء.
حست لأول مرة من سنين إن قلبها خفيف.
رجعت بيتها… بيتها هي.
قفلت الباب، وبصت لصورة أمها، وقالت بابتسامة هادئة:
“المرة دي يا أمي… أنا مش بس حافظت على الشقة… أنا حافظت على كرامتنا.”