قصه منال علي
كنت بـغـرف الـعـشـا في بـيـتـي.. بـيـتـي أنـا.. لـمّـا فـجـأة أبـويـا خـبـط بـإيـده عـلى الـسـفـرة وقـال بـكـل قـسـوة: “الـبـيـت ده أولى بـيـه هـانـي أخـوكِ.. هـو اللي مـعـاه عـيـال يـمـلوا عـلـيـه الـمـكـان، لـكـن إنـتِ وشـريـف مـش مـحـتـاجـيـن كـل الـوسع ده! بقلم منــال عــلي
الـسـكـوت اللي نـزل عـلى الأوضـة بـعـد جـمـلـتـه مـكـانـش سـكـوت إحـراج.. ده كـان سـكـوت مـوافـقـة وتـأيـيـد.
مـرات أبـويـا سـنـاء نـزلـت عـيـنـيـهـا في طـبـقـهـا، ومـبـانـش عـلـيـهـا أي مـفـاجـأة.. هـانـي عـمـل نـفـسـه بـيـعـدل الـمـنـديـل بـتـوتـر، في حـيـن إن مـراتـه شـيـمـاء كـانـت بـتـبـص حـوالـيـهـا في الـريـسـبـشـن وكـأنـهـا بـتـخـطـط مـن دلـوقـتـي هـتـحـط عـفـش الـعـيـال فـيـن. جـوزي شـريـف ضـغـط عـلى كـبـايـة الـمـيـة اللي في إيـده بـكـل قـوتـه، مـسـتـنـيـنـي أتـكـلـم أو أخـد مـوقـف.بقلم منــال عــلي
أمـا أنـا.. فـوقـفـت مـكـانـي مـتـكـتـفـة، شـايـلـة صـيـنـيـة الـمـكـرونـة الـبـشـامـيـل الـسـخـنـة بـيـن إيـديـا، حـاسـة بـالـسـخـونـة بـتـلـسـع صـوابـعـي، وفي نـفـس الـوقـت فـيـه بـرودة قـديـمـة مـرعـبـة بـتـنـزل تـحـت صـدري.
الـشـقـة دي كـانـت مـلـكـي.. بـتـاعـتـي أنـا.بقلم منــال عــلي
مـش عـشـان أبـويـا كـتـبـهـالـي، ولا ورث تـهـنـيـت بـيـه.. أنـا اشـتـريـت كـل شـبـر فـيـهـا بـشـقـى عـمـري كـمـمـرضـة. سـنـيـن مـن الـنـبـطـشـيـات الـمـوت، والـشـغـل في أعـيـاد ومـنـاسـبـات والـنـاس بـتـعـيـد، كـنـت بـحـوش الـقـرش عـلى الـقـرش في سـكـوت، لدرجـة إنـي كـنـت بـلـبـس الـجـزمـة لـحـد مـا تـقـول يـا بـسـط ويـتـقـطـع نـعـلـهـا.بقلم منــال عــلي
لـمّـا أمـي مـاتـت، مـسـابـتـلـيـش غـيـر ورقـة صـغـيـرة كـتـبـت فـيـهـا بـخـط إيـدهـا: “إيـاكِ يـا نـور تـعـتـمـدي عـلى حـد بـيـقـيـس قـيـمـتـك بـالـلـي تـقـدري تـديـهـولـه”.. وقـتـهـا افـتـكـرتـهـا بـتـتـكـلـم عـن الـفـلـوس، بـس بـعـد كـده فـهـمـت إنـهـا كـانـت بـتـتـكـلـم كـمـان عـن الـخـلـفـة والـعـيـال.
أنـا حـاولـت أحـمـل عـلى مـدار تـمـان سـنـيـن..
سـنـيـن مـن الـعـلاج، والـتـحـالـيـل، والـعـمـلـيـات، والـنـذور.. يـامـا عـيـطـت جـوة حـمـامـات الـمـسـتـشـفـى مـن غـيـر مـا حـد يـحـس بـيـا. ولـمّـا سـقـطـت والـبـيـبـي مـكـمـلـش تـلـت تـشـهـر، سـمـعـت مـرات عـمـي بـتـقـول بـبـرود: “لـعـلـه خـيـر.. يـمـكـن ربنا عـارف الـصـالـح فـيـن”. أبـويـا عـمـره مـا اتـصـل يـطـمـن عـلـيـا أو يـسـألـنـي عـمـلـت إيـه، بـس كـان ديـمـاً بـيـسـألـنـي بـلـهـجـة فـيـهـا لـوم: “مـش هـتـفـرحـيـنـي بـقـى بـحـفـيـد بـجـد؟”.بقلم منــال عــلي
في الـمـقـابـل، هـانـي كـان عـنـده تـلات عـيـال.. وفي عـيـن أبـويـا، الـتـلاتـة دول كـانـوا كـفـيـلـيـن يـحـوّلـوا أي مـصـيـبـة يـعـمـلـهـا هـانـي لـحـق مـكـتـسـب! لـمّـا اتـطـرد مـن شـغـلـه، أبـويـا جـري سـنـده.. لـمّـا اتـأخـر في إيـجـار شـقـتـه، أبـويـا دفـع لـه.. ولـمّـا كـان بـيـتـخـانـق مـع مـراتـه ويـسـيـب الـبـيـت، كـانـت مـرات أبـويـا تـقـول: “مـعـلـش، ده راجـل بـيـت وعـنـده كـوم لـحـم، مـحـتـاج الـلي يـسـتـحـمـلـه ويـقـف جـنـبـه”.
أمـا أنـا؟ فـكـنـت ديـمـاً في نـظـرهم الـبـنـت الـمـرتـاحـة الـمـقـتـدرة.. الـسـت اللي مـبـتـخـلـفـش واللي مـش مـحـتـاجـة كـل الـمـسـاحـة دي!بقلم منــال عــلي
في الـلـيـلـة دي، أنـا اللي عـزمتـهـم كـلـهـم عـشـان أبـويـا كـلـمـنـي وقـالـي إنـه عـايـز “يـلـم شـمـل الـعـيـلـة”. وقـفـت في الـمـطـبـخ سـاعـات أهـيـأ لـحـمـة مـحـمـرة، وجـلاش بـالـلـحـمـة، وكـريـم كـرامـيـل. وفـرشـت الـسـفـرة بـالـمـفـرش الـقـطـيـفـة الـقـديـم اللي أمـي كـانـت بـتـشـيـلـه لـلـمـنـاسـبـات الـغـالـيـة.. ولـدقـايـق، صـدّقـت إنـهـا مـمـكـن تـكـون لـيـلـة عـاديـة فـيـهـا دفء عـائـلـي.
لـحـد مـا هـو خـبـط بـإيـده عـلى الـسـفـرة.بقلم منــال عــلي
— “لازم تـفـكـري بـالـعـقـل يـا نـور.. الـشـقـة دي كـبـيـرة فـشـخ عـلـيـكِ أنـتِ وشـريـف. هـانـي عـنـده كـوم عـيـال.. الـبـيـت ده يـلـيـق أكـتـر بـعـيـلـة بـجـد.”
عـيـلـة بـجـد..
الـصـيـنـيـة تـقـلـت في إيـدي لدرجـة مـش قـادرة أشـيـلـهـا.
— “حـضـرتـك بـتـطـلـب مـنـي أسـيـب بـيـتـي وتـطـردنـي مـنـه؟” .. سـألتـه بـصـوت مـحـبـوس.
هـانـي كـحّ بـطـريـقـة سـخـيـفـة كـأن الـسـؤال مـش في مـحـلـه وقـال:بقلم منــال عــلي
— “مـحـدش قـال نـطـردك يـا نـور.. إحـنـا مـمـكـن نـعـمـل اتـفـاق ودي. إنـتِ وشـريـف تـنـقـلـوا في شـقـة أصـغـر إيـجـار أو تـمـلـيـك عـلى قـدكـم، وبـابـا بـس بـيـفـكـر في مـسـتـقـبـل الـعـيـال الـغـلابـة دول.”
جـوزي شـريـف قـام وقـف بـغـضـب، بـس أنـا حـطـيـت الـصـيـنـيـة عـلى الـسـفـرة قـبـل مـا يـنـطـق بـحـرف.. حـطـيـتـهـا بـالـرّاحـة.. وبـمـنـتـهى الـثـبـات مـن غـيـر مـا نـقـطـة صـلـصـة تـنـزل مـنـهـا.بقلم منــال عــلي
— “مـوضـوع جـمـيـل ومـثـيـر لـلاهـتـمـام” .. قـلـت وأنـا بـبـتـسـم بـبـرود.. “لأنـي الـنـهـاردة الـصـبـح جـالـي تـلـيـفـون مـفـاجـئ مـن الـشـهـر الـعـقـاري.”
وش مـرات أبـويـا سـنـاء جـاب ألـوان، وتـعـابـيـر وشـهـا اتـقـلـبـت 180 درجـة.
أبـويـا ضـم حـواجـبـه بـشـك:بقلم منــال عــلي
— “شـهـر عـقـاري إيـه؟”
فـتـحـت درج الـبـوفـيـه، وطـلـعـت فـايـل أزرق مـقـفـول.
جـوة الـفـايـل ده كـان فـيـه صـور مـن عـقـد مـلـكـيـة الـشـقـة، وإيـصـالات الـدفـع كـامـلـة.. وجـنـبـهـم ورقـة قـديـمـة جـداً كـانـت أمـي مـمـضـيـاهـا قـبـل مـا تـتـوفى بـيـومـيـن.. ورقـة أبـويـا كـان فـاكـر إنـهـا اتـحـرقـت أو اخـتـفـت مـعـاهـا لـمّـا مـاتـت.
الـسـفـرة كـلـهـا اتـشـلّـت عـن الـحـركـة.. مـحـدش نـفـسـه طـالـع.بقلم منــال عــلي
لـيـه أبـويـا كـان واثـق أوي كـده إنـه يـقـدر يـتـحـكـم في مـصـيـر شـقـة عـمـره مـا دفـع فـيـهـا جـنـيـه؟
أمـي سـابـت إيـه مـكـتـوب ومـتـوثـق مـرات أبـويـا حـاولـت تـخـبـيـه وتـدفـنـه لـسـنـيـن؟
ولـيـه هـانـي أول مـا شـاف الـفـايـل الأزرق عـرفـه وجـسـمـه كـلـه اتـنـفـض مـن الـخـوف قـبـل مـا أفـتـحـه؟
رمـيـت الـورق قـدام عـيـن أبـويـا عـلى الـسـفـرة، وقـلـتـلـه بـنـبـرة هـاديـة بـس تـقـطـع الـنـفـس:بقلم منــال عــلي
“قـبـل مـا تـتـكـلـم يـا بـابـا عـن الـعـيـلـة الـحـقـيـقـيـة.. يـا ريـت تـشـرحـلي الأول، حـضـرتـك مـضـيـت عـلى الـورق ده بـاسـم أمـي إزاي وهـي عـلى فـراش الـمـوت؟!”