الورقه المنسيه ج٢ نرمين همام

 

بحلقّت فيها بذهول وعيني واسعة من الاستغراب، وما كنتش مصدقة وداني، وافتكرت نفسي بحلم. كملت كلامها وهي بتتنهد بحسرة وندم بياكل في قلبها:

— كنت فاكرة بجهلي، وبأنانية الأمومة العمياء، إني كدا بحافظ على ابني وبأمن مستقبله من غدر الزمن والدنيا.. بس مع الوقت، لما شفت حاله والاكتئاب اللي حصله، ونومته في السرير من الهم، ورعبنا من الفضايح والمحاكم والحبس اللي كنا هنروح ليه برجلنا بسبب قلة أصلنا، اكتشفت إني كنت بخسره وبضيع عياله وبيته بإيديا.. أنا أسفة يا بنتي.

 

لأول مرة في حياتي أسمع الست دي بتتكلم بالنبرة المكسورة دي، ولأول مرة أشوف الندم الحقيقي والذل بيلمعوا في عينيها بعد ما كانت شايفة نفسها فوق البشر والكل خدم عندها. عرفت ساعتها إن ربنا لما بيريد يجيب الحق، بيجيبه من سابع سما.

بعد المقابلة دي بأيام قليلة، قعدنا قعدة حاسمة، قعدة رجالة ومحامين كبار.

 وتم صياغة وعمل اتفاق قانوني جديد، عقود حادة وصارمة زي السيف. الحق رجع لأصحابه بالمليم والسنتيمتر، واتثبتت كل حقوقي المادية والشرعية في الأرض والمباني بشكل واضح وصريح وميقبلش الشك ولا التلاعب من هنا لـ 100 سنة قدام، وكل حاجة اتسجلت واتعمدت وتوثقت رسمي في الشهر العقاري وبصم عليها مصطفى وهو منكس راسه وعينه في الأرض من الخزي.

 

ولما خلصنا تماماً، ومضينا على آخر ورقة، ودفعت أتعاب المحامي، خرجت من باب المكتب للشارع.. أول ما رجلي لمست الرصيف، أخدت نفس طويل وعميق، وحسيت بنسيم بارد ونقي بيدخل صدري وينظف الوجع اللي جوه، وكأن جبل من الهم والقهر والانتقام انشال من فوق قلبي وفجأة بقيت خفيفة زي الريشة.

 

ما كنتش فرحانة عشان الحيطان الطوب ولا عشان القرشين اللي رجعوا.. لأ، المحلات والبيوت تروح وتيجي، أنا كنت طايرة من الفرحة عشان الحقيقة ظهرت والشمس نورت الحق، وعشان كرامتي اللي اتهانت رجعتلي هيبتها قدام الكل، وعشان الراجل اللي كان واقف في وسط صالتي وناصب طوله وبيقول بكل ثقة وعين قوية تبجح: “اعملي اللي تعمليه..

 

 مش هتعرفي تاخدي مني مليم واحد”.. اكتشف متأخر جداً، وبعد ما دفع التمن غالي من كرامته، وهيبته، ونظرته في عين عياله وعيني، اكتشف إن أقوى حاجة ممكن يملكها البني آدم في الدنيا دي مش الفلوس، ولا العقارات المكتوبة على ورق، ولا النفوذ والبلطجة والاستقواء بالأهل..

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *