الورقه المنسيه ج٢ نرمين همام
أما مصطفى، فالتوتر ظهر على وشه لأول مرة من يوم الأزمة، وبدأ يفرك في رقابته ويبص للملف برعب كأنه افتكر أخيراً الجري..مة اللي خطها بإيده.
أما أنا.. فوقفت وبصيت ليهم وبكل برود وثقة، كنت شايفة الخوف في عينيهم، وعارفة ومطمنة إن الورقة اللي كانوا فاكرينها ضاعت وماتت من سنين، لسه صاحية ومحتفظة بسر واحد بس، سر قانوني مدمر، قادر يقلب البيت ده كله فوق دماغهم ويهد المعبد على اللي فيه.
الكاتبة نرمين عادل همام
مصطفى بلع ريقه بصعوبة، وحسيت إن ريقه ناشف وزور ممسوك، وبص للمحامي وعروق رقابته بارزة وقال بتلعثم ونبرة مهزوزة:
— في إيه يا متر؟ ما تتكلم وتنطق! وقعت قلوبنا، ورق إيه ده اللي يوقفنا؟
المحامي أخد نفس طويل، وحط الملف البني بالراحة على الترابيزة، وسند بضهره لورا وقال بهدوء قاتل، الهدوء اللي بيسبق العاصفة:
— قبل ما أتكلم وأقول أي كلمة.. أحب أسأل حضرتك سؤال واحد وجاوبني عليه بصراحة.
مصطفى قدم جسمه لقدام وعينيه مبرقة من القلق وقال:
— إيه هو؟ اخلص!
المحامي مد إيده، وسحب الورقة الأخيرة من الملف، ورفعها في الوش وقال:
— الورقة دي إمضتك؟ وخَط إيدك؟
المحامي ناول له الورقة، ومصطفى مد إيده اللي كانت بترتعش وأخدها، وأول ما عينه جت على السطور وع لى الإمضاء والبصمة، اتجمد في مكانه كأنه صنم، والدم هرب من وشه وبقى زي الأموات.
أنا في اللحظة دي كنت قاعدة حاطة رجل على رجل، ومربعة إيديا، ومراقبة كل حتة في ملامحه ووشه اللي كان بيجيب مية ألوان. كنت عارفة وحافظة الورقة دي كويس أوي، وعارفة إنه من كتر جبروته وغروره نسي وجودها من سنين طويلة، وافتكر إن الزمن محاها.
الورقة دي كانت “اتفاقية عرفية وشراكة” كتبها وصاغها بخط إيده يوم ما بدأنا نحط أول قالب طوب في البيت، ويوم ما بعت دهبي وحطيت شقا عمري. كان مكتوب فيها بوضوح ومن غير أي لف ودوران: “إن كل الأموال والمدفوعات اللي قامت بدفعها السيدة هند في تمن الأرض والمباني والبناء، تعتبر مشاركة فعلية وحق أصيل في ملكية العقار، وفي حالة البيع أو التنازل أو نقل الملكية لأي جهة أو شخص بدون موافقتها الكتابية، يحق لها المطالبة بكامل حقوقها المادية ونصيبها الشرعي من القيمة السوقية الحالية للعقار”.
وقتها، لما كتبها، كان بيمثل دور الراجل الحنين والأصيل وكتبها عشان يطمني ويثبت لي حسن نيته، ووقع عليها بإيده والشهود كمان مضوا معاه. ولأن الدنيا كانت ماشية ومستقرة ومفيش مشاكل، هو نسيها وافتكر إنها ضاعت في وسط ورق ملوش عازة.. إلا أنا! أنا بس اللي شلتها في نني عيني واحتفظت بالنسخة الأصلية دي وشلتها للزمن.