الورقه المنسيه ج٢ نرمين همام

 

الأيام اللي جت بعد القعدة دي كانت صعبة، تقيلة وطاحنة زي الرحايا اللي بتهرس العضم. العيلة والبلد كلها من ناحيتي ومن ناحيته عرفت باللي حصل واتدخلت في الموضوع، والبيت بقى عامل زي المولد، والكل بقى يدلي بدلوه ويفتي. اللي يجيبني على جنب ويقولي: “يا بنتي معلش، المسامح مصطفى، الراجل غِلط والشيطان شاطر، 

الكاتبة نرمين عادل همام

اشتري خاطر جوزك واستروا على بعض”، واللي تقولي: “حافظي على بيتك وبلاش خراب مستعجل وشماتة الناس فيكِ”، والكل بلا استثناء كان بيعزف على نغمة واحدة تقرف: “عشان خاطر العيال.. العيال هيروحوا فين؟ ملهمش ذنب يتبهدلوا بين المحاكم”.

 

بس الغريبة والوجع الحقيقي، إن وسط كل الهيصة دي، محدش فيهم نطق بكلمة حق، محدش جاب سيرة كرامتي اللي اتدست بالجززمة وتهانت، محدش اتكلم عن وجع السنين، والكسرة والطعنة اللي سكنت في قلبي لما اكتشفت إن أقرب الناس ليا، الراجل اللي نام في حضني وأمنته على اسمي وعرضي وحياتي، كان مستعد وبكل بساطة يمسح تعبي وشقايا وأيام الفجرية اللي كنت بصحاها في البرد، يمسح كل ده بجرة قلم عشان يرضي أمه ويسرقني!

 

بعد شهر كامل ملوش ملامح من المداولات، والاجتماعات، والخناقات المحتدمة، والشد والجذب والتهديدات بين المحامين في المكاتب، حصلت حاجة ما كانتش تخطر على بال بشر ولا تيج في خيال إبليس نفسه.. حماتي بنفسها كلمتني في التليفون، وبنبرة مكسورة طلبت تقابلني في بيتها، وحددت المعاد.

 

رحت لها وأنا رابطة جأشي، حاطة في بطني بطيخة صيفي، قلبي ميت ومبقاش فيه مكان للخوف، كنت عمالة أقدم رجل وأأخر رجل وأسأل نفسي في الطريق: يا ترى الحرباية دي ناوية على مصيبة إيه تاني؟ وإيه اللعبة الجديدة اللي بتلعبها مع ابنها عشان يهربوا من شرط الورقة الجزائي؟

 

دخلت الشقة، لقيتها قاعدة على الكنبة في الصالة وساكتة، باصة في الفراغ.. ملامحها وشكلها وجبروتها كانوا متغيرين 180 درجة. كانت هادية، خسّانة والنص منها رايح، والشر والغل والتكبر اللي كانوا بيطيروا من عينيها زمان اختفوا تماماً وبقى بدالهم انكسار.

بصتلي بالراحة، وقالت بصوت خافت، واطي ومبحوح عمري في حياتي ما سمعته بيطلع منها:

— أنا غلطت يا هند.. وغلطت في حقك غلط كبير أوي وربنا جازاني عليه في ابني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *