الورقه المنسيه ج٢ نرمين همام
— يا هند، إحنا بيننا عشرة عمر.. 12 سنة بحالهم مش هينين برضه عشان يتهدوا في لحظة، وفيه بيننا عيال ملهمش ذنب يعيشوا مكسورين.
ابتسمت بسخرية ملوها الوجع والقرف، وبصيت له نظرة طويلة وفاحصة من فوق لتحت، نظرة خلت جسمه يتفزز من الكسوف. العجيب والمقرف في الدنيا دي، إن الناس الأندال مابيتفتكروش العشرة، ولا بيعرفوا معنى الأصول والرحمة، غير لما يحسوا بالخسارة الكاملة وتطير من إيديهم الغنيمة، وتلاقي سكي..نة الحق نازلة على رقبتهم! طول ما هما كسبانين يدوسوا عليك، ولما يتزنقوا يفتكروا العيال والعشرة.
هز راسه تلات أربع مرات وهو باصص في الأرض، وكمل كلامه بنبرة كلها شحاتة واستعطاف، وهو بيمد إيده يحاول يلمس طرف إيدي، بس أنا سحبتها قوام:
— أنا والله العظيم يا هند ما كانش قصدي أوصلك للإحساس البشع ده، ولا كنت عايز أكسر بخاطرك أو أحسسك إنك غريبة.. أنا كنت..
قاطعت كلامه بحدة وزعقت فيه بصوت هز أركان الصالة:
— بس وصلته يا مصطفى! وصلته ودوقتني المر والذل والقلة، ونيمتني ليالي دموعي بتاكل في خدي وأنا بسأل نفسي أنا قصرت في إيه! كنت واقف مالي مركزك، وبتضحك في وشي بكل بجاحة، وبتتباهى بنصرك المزيف وبتقولي وريني هتعملي إيه! جاي دلوقتي تعيط؟
سكت تماماً، ومبقاش عارف يودي وشه فين من كتر الخزي، وشه احمر وعرق، وفضل يفرك في إيديه بقلة حيلة وزي العيل الصغير اللي اتمسك بيسرق، وقال بصوت يدوب مسموع:
— أمي.. أمي هي السبب، هي اللي كانت مرعوبة وخايفة عليا من الديون ومشاكل التجارة والسوق، وقالتلي أمن نفسك يا ابني عشان متضمنش الظروف، وأنا الصراحة ضغفت وسمعت كلامها ومشيت وراها وأعمى ربنا بصري.
رديت عليه بضحكة عالية ومجلجلة، بس كان ملوها القهر والكسرة اللي مابتتنسيش:
— يا سلام! يا حنين ياطيب ! تقوم لما تحب تحمي نفسك من ديون ومشاكل السوق، تقرر تظلمني أنا؟ تحمي نفسك وتكافئني على وقفتي جنبك بأنك تشيل اسمي من حياتك، وتمسح وجودي من الشقا والتعب اللي بنينا بيه الحيطان دي طوبة طوبة؟! أومال فين وعودك؟ فين كلامك إن البيت ده أماني وأمان ولادي؟
ما عرفش يرد.. لُجم لسانه تماماً واتقفل، ولأول مرة من يوم ما دخلت بيته من 12 سنة ما يبقاش عنده إجابة ولا مبرر صايع يداري بيه خيبته وندالته. بان على حقيقته؛ راجل مهزوز، اتعرى قدام ورقة صغيرة كشفت كل ألاعيبه.