حي الجزارين ج2 مريم غريب

هدرت الصيحات من جديد، فحانت من “مصطفى” إلتفاتة نحو والده هذه المرة.. ليجده كما هو، و كأنه يعرف نتيجة النزال سلفًا و يجلس ليراها فقط

أخذ صدره يهبط و يعلو بانفعالٍ جمّ، شحذ قواه كلها يعزمٍ و انتصب واقفًا في مواجهة أخيه مرةً أخرى… بصق فوق الأرض و هو يرمقه بنظرة محتقنة

بينما يشير له “رزق” برأسه أن يقترب، فلبّى “مصطفى” طلبه و عاد خطوة للخلف… ثم إنطلق منقضًا عليه ثانيةً، ليسقطا معًا فوق الأرض

كانت عضلات بطنه صلبة كالحديد، و كأنها تشكل درعًا واقيًا، فلم يتأثر بضربات “مصطفى” المتتالية.. بل كان يضحك باستفزازٍ و هو يرقد هكذا بينما أخيه يجثم فوقه بوجهه وحشي القسمات …

تملكه غيظٍ شديد عندما آلمته قبضته و في نفس الوقت خصمه لا يتألم أبدًا.. غلت الدماء بعروقه… فإذا به يتجرّد من قوانين اللعبة و يخلع جلافز الملاكمة، ثم يشرع من فوره بتسديد لكماتٍ مميتة إلى ضلعيّ أخيه، بكل ما أوتي من قوة و بمنتهى الغل لم يتوقف

لتتقلص ملامح “رزق” مع ثاني لكمة أصابت ضلعه الأيسر، و إزداد الوضع سوءً مع تلقّيه المزيد من قبضة “مصطفى” العارية.. فعقد القرار فورًا دون ترددٍ

زمجر بشراسة و هو يثني ساقه لتصيب ركبته بمنتصف معدة “مصطفى” تمامًا …

أطلق الأخير صرخة ألم مخنوقة، ليدفعه “رزق” في كتفيه بكلتا قبضتيه.. طار “مصطفى” للخلف، و سقط على ظهره مرتطمًا بقسوة فوق أرض الحلبة الرملية

صدحت صيحات الجماهير باسمه فقط، و تصاعدت الصافرات المشجعة من كل حدبٍ و صوب، بينما ينهض “رزق” كماردٍ جبار و قد تخضبت بشرته البيضاء كلها بدماء الغضب اللاهبة !!!

-كفاية كده يا مصطفى ! .. هتف “رزق” بخشونة محذرًا

وثب “مصطفى” قائمًا بطرفة عين رغم الألم الذي نزل به …

ابتسم له و قال يستفزه هو هذه المرة :

-خايف و لا إيه ؟!

لم يأبه لرده الآن، بل رفع ناظريه حيث والده… كانت وضعيته في الجلوس قد تغيّرت الآن، صارت أكثر تحفزًا، كما تعابير وجهه الناطقة بالقلق

ربما كان “رزق” ليتفهم رسالته، لكن هذا قبل أن يتغلّب عليه القطب الآخر من شخصيته المظلمة.. فيشيح بوجهه عن أبيه و ينظر مباشرةً بعينيّ أخيه صامًا أذنيه و غاشيًا عينيه إلا عن خصمه

و بدون مقدمات يفعل مثله و يتجرّد من الجلافز، ثم يرفع قبضته المشدودة، و بيده الأخرى يشير له بالاقتراب مجددًا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *