حي الجزارين ج2 مريم غريب
رسمت ابتسامة مقتضبة على ثغرها و قامت بسرعة و هي تقول :
-I beg your pardon يا تيتا
لازم أطلع أرد على المكالمة دي.. مش هتأخر !
و بدون أن تسمع رد الجدة ركضت إلى الخارج في إثرها نظرات “نسمة” كسهامٍ سامّة …
_________
كان يجلس بالمنتصف …
منتصف الشرفة، فوق كرسي وثير و كأنه كرسي العرش، عباءته السوداء تناسب مزاجه تمامًا، ملامحه العابسة متماسكة كقناعٍ صلدٍ محكم
على يمينه و شماله توزعت العائلة، أما بالأسفل فالجمهور الغفير يحيط بالحلبة.. و ولديه بوسطها تمامًا !
كلٌ منهما بطرف يتجهز على حدة، “رزق” عاري الجزع و يرتدي بنطالًا رياضيًا مرنًا ذي علامة تجارية شهيرة.. و “مصطفى” يرتدي كنزة ضيقة ذات حمالات عريضة و سروالًا قصير
أغاظه بشدة أن تملأ أذنيه الهتافات الصادحة باسم أخيه، أما هو.. فكأن لا أحد يلاحظه حتى، باسثنائها هي
“فاطمة” …
أجل.. ها هو يراها من حيث تقف بالشرفة مع بقية العائلة، نحفت كثيرًا و شحب لونها مؤخرًا من قلة الغذاء.. لكن لا زالت عينيها تلمعان معبرة عن شتّى إنفعالاتها، و قد كان الانفعال الذي قرأه بهما الآن هو الخوف… و الخوف فقط
و لكن على من تخاف… يا له من سؤال ساذج.. هل يوجد غيره ؟ أساسًا هل أحبت هي غيره طيلة حياتها ؟!!!
-ديشا !
أدار “مصطفى” رأسه لينظر إلى “رزق” …
يبتسم له الأخير و هو يرتدي الجلافز قائلًا بلطفٍ :
-دي أخر فرصة.. لو تحب ننسحب إحنا الاتنين سوا. فكر بسرعة !
كشر “مصطفى” عن أسنانه بابتسامة صفراء و قال :
-أنا مانسحبش يابن الذوات. عايز تنسحب إنت دي فيها كلام تاني !
ضحك “رزق” منه بقوة و رد :
-تمام تمام.. إللي إنت عاوزه. هاعملك إللي إنت عاوزه يا ديشا !
و كعادته هو من يعطِ الأمر بالبدء …
أشار بيده، فضرب غلامًا النحاس المدوي، لتنطلق المباراة.. فيتحفز “مصطفى” من فوره و يتحرك في سيرٍ دائري بطيئ
و كأنه فهدٍ يتصيّد فريسة، ما أضحك “رزق” متعمًدًا اثارة أخيه… و بالفعل نجح
فهجم “مصطفى” صارخًا بغلظةٍ في هذه اللحظة و أنقض على “رزق” مكيلًا له لكمة ضاعت بالهواء، إذ إنحرف “رزق” برشاقة و تفادها.. فالتفت “مصطفى” و أعاد الكرة، ليشكل “رزق” أمام وجهه بساعديه علامة X فما إن لمسه أخيه حتى قام بدفعه بقوة أطاحت به حتى حافة الحلبة
لولا وجود الحواجز لسقط لا محالة …